محمد محمود البشتاوي
تبدأ حكايةُ أيِّ وثائقيٍّ من الفكرةِ، وإن كانت "ملقاةٌ على قارعة الطريق"،
كما قال الجاحظ، إلا أن المعالجة لها، وزوايا التناول، وتفصيلها لاحقاً بالدراسة والبحث،
ووضع المحاور الرئيسية، والفرعية لها، والإطار والرسالة الخاصة بها، وصولاً إلى مراحل
التنفيذ المختلفة، تجعل من الفكرة "بيضةَ ذهبٍ" ليست "ملقاة على قارعة
الطريق"!.
ولأن معالجة الفكرة تُعطي للفيلم قيمةً، فإن بعض الأفلام الوثائقية، تخفقُ في
الوصول إلى الهدف العام الذي أُنتج من أجلهِ هذا العمل أو ذاك، الأمر الذي يستوجب دائماً
البدء.. من الفكرة، التي قد تكون مبتكرة وأصيلة وغير مسبوقة إلا أن سوء المعالجة لها،
أفسدَ الإنتاج، وقد تكون على عكس ذلك، مطروقةٌ ومتداولةٌ بيدَ أن المعالجة الخلاقة
لها دفعت بها لتتجسد في عملٍ استحق أن يُسجل على قائمة الإبداع.
الفكرة ورحلة البحث
"استهداف الصحفيين".. موضوع عريض تُعنى به هيئات نقابية، وقانونية،
وجهات تحمل صفات متعددة من حقوق الإنسان إلى الأحزاب والمنظمات والمفكرين والكتاب،
إلا أن ذلك كلهُ يأتي على الهامش عربيا، في ضوء غياب المعالجة والبحث الجاد عن حل.
"عندما يستهدف الصحفيون"، وثائقي من النمط الاستقصائي، لمخرجهِ بشار حمدان، الذي عالج الفكرة بطريقته الخاصة،
وبعيداً عن الرتابة والروتين، فحاول النفاذ في عالم الظل، الذي تتشكل فيه حقيقة نفور
السلطات من الإعلام، والعداء لهُ أحياناً، لاسيما في مناطق النزاعات؛ إذ يكون الصحفي
هدفا سهلا، وفي الحالة العربية، يكون من "المغلوب" على أمرهِ؛ لأنه يفتقد
إلى الحماية والمعرفة بالسلامة المهنية.
معالجة الفكرة كانت ضمن عدة مستويات؛ مستوىً تجسد في "رحلة البحث"
عن حالات في فلسطين، والعراق، ومصر، واليمن، ومستوىً آخر تمثل في خلاصات رأي الخبراء
بعيداً عن الثرثرة، فيما كانت العينات شاملة، لمزاوجتها بين استهداف الصحفيين من قبل "السلطات الحاكمة"، و"سلطات الاحتلال".
و"رحلة البحث"، لا نعني بها، "البحث والإعداد" المتعارف
عليه، وإنما مسار الحدث للحالة، إذ تبدأ من كيفية وآلية معالجة الحالة الواحدة، وكيف
تُروى قصة الحالة على حدة، وعملية الانتقال بها من طور إلى آخر، لتصل إلى النهاية،
وفي كلٍّ رحلةٍ بدايةٌ، ونهاية، ما يعني أن هنالك بدايات ونهايات لهذه الحالات داخل
الفيلم.
في "رحلة البحث"، قدَّمَ المخرجُ الشهودَ، وسردَ الحكايةَ، فبدأَ
من الومضةِ الأولى، لاستهداف الصحفيين، عبر لقطات أرشيفية توثق هذه الإعتداءات، ثم
انتقل إلى الضيوف، وكانَ شيئاً فشيئاً، يعمل على توسيع إطار الفكرة، وتصعيد حالة الذروة،
والتأثير في سلب المتلقي للمتابعة نفساً بنفس، إذ ما أن ينتهي البحثُ من حالةٍ حتى
تبدأُ خيوطٌ قصصيةٌ جديدةٌ، في متواليةٍ سعت إلى رسم مسارات الاستهداف؛ الاغتيال والتصفية،
الإعاقة وتعطيل القدرة على العمل، الإخفاء القسري.
أتاحت رحلة البحث هذه، وبمساراتها المختلفة، للمخرج الانتقال من دائرةٍ إلى
أخرى..، وهكذا لا يجدُ المتابعُ فِكاكاً للخروجِ من الدهليز الدائري، إلا بمزيدٍ من
التلقي؛ إذ يصل الفيلم إلى خلاصةٍ تؤكد أن استهداف الصحفيين في الوطن العربي، وتصدر
العرب القائمة السوداء عالميا، ناتجٌ عن انعدام خبرة الصحفي في مسألة الحماية المهنية
في الحروب والنزاعات، وضعف الهيئات النقابية، وتنصل المؤسسات الإعلامية والصحفية من
تأمين منتسبيها، وفي مقدمة الأسباب تعامل بعض السلطات مع الصحفي باعتبارهِ "غير
مرغوب فيه".
العتبات الأولى بصريا
أولَ بابٍ فُتح في الفيلم.. لقطات أرشيفية تؤسس للمشهدِ، مفتاحيةٌ له، مُنتقاةٌ
بعناية؛ كاميرات ملطخة بالدم، صور فيديو مغبشة ومهتزة، رصاصٌ يُمطرُ إعلامياً..، أصواتُ
ألمٍ وصراخٍ وعويل؛ مصيرٌ مجهولٌ لزملاءِ "مهنةِ المتاعب" في ظل وجود قوانين
مقيدة لعملهم، أو غياب تشريعات توفر الحماية اللازمة لهم من أجل القيامِ بدور
"السلطة الرابعة"؛ الدور الذي يزاحم السلطات الثلاث دولياً، ولا يُرادُ له
أن يكون كذلك.
البداية، في الفيلم الوثائقي الناجح، هي أولى العتبات البصرية التي تُدخل المُشاهد
إلى الموضوع، وفي فيلم حمدان، كانت العتبات مباشرة، بُنيت على الأرشيف دونَ الحاجة
إلى تعليقٍ كتمهيد للعمل، لأن الصورة أدت غرضها؛ الأمر الذي أدخل المتابع في الجو الواقعي
للحدث، فيما أُقفلت هذه اللقطات بـ "خارطة جرافيك" توضح عدد الانتهاكات التي
تعرض لها الصحافيون في الوطن العربي؛ اعتقالاً، وتصفيةً.
ثمةَ من يفتتح فيلمه في اللقطات التأسيسية بمشهد بانورامي، وثمةَ من يقدم مقتطفات
قصيرة جداً من حديث الضيوف مع إيقاع سريع، وهنالك من نسج خيطا دراميا افتتح بهِ المشهد
لينظم به الفيلم لاحقاً في توليفة من الديكو-دراما، غير أن حمدان، اختار مرآة الواقع،
ليعكسَ لنا الحدث كما وقعَ دون تدخلٍ منه.
أرشيف الرعب
عمد المخرج إلى انتقاء أرشيفه، ليشمل بعض مناطق النزاع العربية؛ فلسطين، مصر،
العراق، اليمن، وشكّل هذا الأرشيف، بمجموعه الصورة الكلية حول الموضوع؛ إذ كان واضحاً
أن انتقاءه، صب في توضيح حالات وقصص تتعلق بكيفية الاستهداف، وأسبابه، كما وضحَ القصور
في العمل المؤسسي والنقابي.
عرض الفيلم من الأرشيف، وقائع تمثل شهادات إدانة، وتوضح الوسائل التي تم فيها
استهداف الصحفيين، لينتقل بذلك من التحليل إلى الواقع كما هو، في العراق، وفلسطين،
واليمن.
أما في مصر، فقد ذهب إلى الاستقصاء، والتحقيق، وفتح أكثر ملفات الاستهداف غموضاً،
حين تعقب قصة اختفاء نائب رئيس تحرير صحيفة الأهرام رضا هلال العام 2003م، حيث دخل
الفيلم إلى مؤسسة الأهرام، ومغافر الشرطة، وأقبية الاعتقال، ومستشفى الأمراض العقلية،
وكان ذلك دون طائل، إذ بقي ملف "هلال" لغزاً عصيا على الحل، حتى بعد التغيير..،
إلا أن المخرج تركَ البابَ موارباً للمُشاهد، كي يرى بما أتيح لهُ، أن طاقية الإخفاء
وضعت على رأس "رضا هلال " بعد أن عارض التوريث.
جاءت لقطات ومشاهد الفيديو الأرشيفية،
وبعض ما صوره فريق العمل من لقطات، واضحة في اهتزازها، أو ما يعرف في حركة التصوير
بـ "الكادر المضرب" الذي تهتز فيه الصورة، تعبيراً من المُخرج عن حالةِ النزاع
الدائر في تلك المناطق، وسعياً منه وراء بث صورٍ تحملُ دلالات الخوف والقلق وحس التعقب،
وهي ثيمات يرتكز عليها الفيلم لتبيان حجم الرعب، ومن خلالها سيكون المُتابع أمام عملية
استلاب في متابعة الأحداث، وذلك لوجود عناصر من التشويق، والتسلسل، والمفاجأة.
الزوايا وحركة الكاميرا
تنوعت زوايا ولقطات التصوير، وتعددت آليات المخرج في التعبير بصرياً عن العمل،
بين كاميرا صورت ضيفا أُخذت له لقطات متعددة وثابتة، وكاميرا متحركة تتابع الشهود في
الميدان، وجاءت زوايا التصوير مختلفة، ومنها على سبيل المثال؛ لقطة الشارع اليمني المكتظ
بالمتظاهرين، أخذت من زاوية مرتفعة، من أعلى إلى أسفل، لتوحي للمُشاهد بحجم الضغط،
وسطوة المشهد.. هي عين الطائر التي ترى المشهد بكليته.
ومشهد الاكتظاظ التدريجي المشارع إليه سابقاً، جاء كفاصل بصري، يفيد بانتهاء
"رحلة البحث" التي كانت تدور حول الانتهاكات في فلسطين – غزة، وبدء
"رحلة بحث" جديدة في اليمن.
بعض الزوايا كانت مائلة، تعبيراً عن حالة القلق، لأن الكاميرا في هذه الوضعية
تعكس التوتر والارتباك، وعدم الاستقرار، كما أنها أكثر تجسيداً لعمليات العنف السائدة.
لقطات أخرى أخذت فيها الكاميرا مكان العين، فمشت في الشوارع وبين المتظاهرين،
وقدمت رأيها، لتكون لقطات ذاتية تعبر عن رأي أصحابها، كما في مشهد تتبع "أسامة"
لملف شقيقه الصحفي المفقود "رضا هلال" في مصر.
الإيقاع – الصورة
تناغم الإيقاع، مع الصورة، بـ "رتمٍ" سريع بمجملهِ، تعبيراً عن حالة
الصعود نحو الذروة، إلا أن إيقاعا آخرا.. آخذٌ بالبطء، تجسد في بعض اللقطات، كما في
مشهد اكتظاظ شوارع العاصمة صنعاء بالمتظاهرين تدريجيًّا، وكما في المشهد الختامي الذي
عرض بعض صور الصحفيين المستهدفين، وكأن المخرج أرادَ للصورةِ أن ترسخَ وأن يبقى الإيقاع
البطيء محفوراً في الذاكرة.
ويمكن القول، إن الموسيقى – من تأليف وتوزيع غيا ارشيدات – استطاعت أن تشكل
لغة سمعية للمتلقي، للتعبير عن الحالات الشعورية في الفيلم؛ القلق، الاضطراب، الترقب،
الخوف، التقصي..الخ، واستطاعت ضمن وظيفتها رفع الحالة الشعورية لدى المُشاهِد.
عندما يستهدف الصحفيون
يشار إلى أن فيلم "عندما يستهدف الصحفيون"، من إنتاج شركة طيف للإنتاج
التلفزيوني في الأردن، وقد عرض باللغتين العربية والإنجليزية على قناة الجزيرة، واختير
للمشاركة في مهرجان الجزيرة التاسع للأفلام التسجيلية، ورشح للمنافسة على جائزة لجنة
التحكيم لأفضل فيلم متوسط، في نيسان 2013م، كما أختير من قبل مؤسسة Walkley
Foundation للمشاركة في حملة
دولية لحرية الصحافة ودعم الصحفيين في نيسان العام الفائت.
كما عرض في الندوة التي عقدتها إدارة الحريات وحقوق الإنسان بمناسبة اليوم العالمي
لمكافحة إفلات قتلة الصحفيين من العقاب في تاريخ 22/11/2012، واختير الفيلم من قبل
الاتحاد الدولي للصحفيين ليُعرض في ندواته ومحاضراته.




0 التعليقات:
إرسال تعليق