محمد محمود البشتاوي
"الذي يرى بعين الجماعة واستمراريتها.. لا يموت"
الفنان الفلسطيني الراحل مصطفى الحلاج
**
ثمةَ عالمٌ غامضٌ يذوبُ أمامَ الواقعِ، ويذوي بعيداً بعد أن يتفسخَ،
ليتجسدَ في حقيقةٍ لطالما كانت غائبة!.
تبدأُ القصةُ – الرواية من حلم امرأةٍ فلسطينيةٍ رأت في منامٍ
أهلها معلقين بملاقطَ بين السماءِ والأرض، فهزت رأسها واكتفت قائلةً "هذه حال
الفلسطينيين"!، ما أثار رعب الفنانة التشيكية جاين فريري، حينما سمعت وشاهدت هذه
المرأة في فيلم "المنام – 1982" لمخرجهِ السوري محمد ملص.
شعب بأكملهِ معلق بين الأرض والسماء!، فنتازيا، وغرائبية، تُجَسِّد
واقع الشعب الفلسطيني في معرض فني نادر من نوعهِ لـ "فريري"، فيتوقف البصر،
متابعاً، متأملاً "جنون العبقرية"، أو "جنون الواقع"؛
ها نحنُ معلقون "بخيوط نايلون" رفيعة، أجسادنا مكعبات
هندسية من الشمع والورق، تُجسدُ ما مضى، وما هو قائم، النكبة، وساعة الخروج القسري
حينما توقفت عقارب الزمن على هذا المشهد الذي عجز عن إخراجهِ ملك أفلام الرعب!.
هندسة "عودة الروح"
وهذا العمل الفني، الهندسي، الدقيق، أطلقت عليه فريري "عودة
الروح"*، بعد أن عجز الجسد عن العودة، فتمثل في (3400) مكعب، مثلت بمجموعها موج
بشري مثقل بأوجاع الشتات، فيما كانت الإضاءة .. أكثر قدرةً على وضعِ لمساتِ حزنٍ لهذا
الرحيل القسري.
وكيلا يذهب الظن أن هذا الإبداع مجرد تجسيد هندسي، وعمل فردي،
فهو أيضاً جهد جماعي، تمثل في مجموعة روايات شفهية عملت الفنانة – بإشراف مركز الجنى
في بيروت – بجمعها من كبار السن في مخيمات
الشتات في لبنان، ليلتقط العمل من الواقع مشاهد توثيقية، وفقاً لجاين، التي سعت في
عملها هذا أن توثق اللباس الفلسطيني ساعة الخروج، شكل الخروج، وما صاحب ذلك، من مجازر،
و"حقائق غائبة" عن العالم الغربي!.
"طروادة أخرى"
تأمل فنانة "عودة الروح" – في حوار لها مع "العرب
اليوم الأردنية" – أن يصل عدد مكعبات هذا المشروع إلى 40 ألف، حينما تعرضهُ نيويورك،
وفي العالم الغربي – أستراليا مثلاً -، مؤكدةً أن الغرب يجهل القضية الفلسطينية.
وفي رحلة الطواف، والتجوال، لهذا الشتات الهندسي، تأمل جاين،
بعد أن عرض في بيروت، وأدنبرة، وانتقل إلى عمان (وعرض في دارة الفنون)، أن يصل إلى
فلسطين، ليستقر العمل في "متحف الذاكرة" في قلب القدس، ليكون بذلك
"طروادة أخرى".
"معاداة السامية" تجتاح الفن
رغم أن هذه "الأسطوانة المشروخة" باتت مدعاة للسخرية،
إلا أنها لاحقت منظمي المعرض في أدنبرة!، فثمةَ "أمية سياسية"، وانحياز للفلسطينيين،
وجهل بتاريخ "تأسيس دولة إسرائيل"، إلا أن نقيض هذا الضجيج أن جاين، جمعت
روايات تاريخية من مؤرخين يهود، في مقدمتهم "إيلان بابه"، و"بني موريس"،
فكانت النتائج، تجمل أن ما حدث للشعب الفلسطيني لا يوصف إلا بكارثة موثقة.
وترد الفنانة التشيكية، أن عملها ليس سياسياً، وإنما فن إنساني
متورط في الحياة، ويتناول قضية كبرى تعرضت لأبشع ظلم!، وتتساءل جاين: "مَن هؤلاء
الفلسطينيّون؟"، فتجيب: «إنّهم ضحايا ضحايانا نحن الأوروبيين!»، وبشكل أوضح، تقول
بما يشبه الصدمة: «هل من المعقول أن اليهود ضحايا الهولوكوست والمذابح، يرتكبون هذه
المذابح؟ لا يعقل. الضحية أصبح لها ضحايا».
ورطة الفن
تعترف جاين أنها في ورطة!، طالماً أن هنالك من يوجه لها سهام
النقد، باسم "السامية"، ومعاداتها، والورطة تتجسد في انقطاعها عن وطنها،
وأهلها، لتطوف العالم، مع فنها الهندسي المذهل، تشرح لعالمٍ تغيبُ عنه حقيقة نائمة
في قلب الوطن العربي.
فريري فنانة عملت في تصميم المسرح في إنجلترا واليونان, وتعد
منتجة مسرح دولية، عملت مع فرق مسرحية معظمها من دول أوروبا الشرقية وإيران، ودرّست
لسنوات عدّة تصميم الأزياء في المسرح والسينما في معهد الفن ببورن ماوث، وتعمقت بموضوع
التهجير القسري الجماعي للفلسطينيين (عام 1948م)، فقدمت قبل «عودة الروح»، فيديو ثلاثي
عن النكبة عرض في «مهرجان ماسكي للمسرح» في بولندا (2006)، إلى جانب عرض أدائي في
«مسرح القصبة».






0 التعليقات:
إرسال تعليق