حكايات

الخميس، 27 نوفمبر 2014

ظاهر العمر.. بين المشارط وقوالب التاريخ

محمد محمود البشتاوي

إضاءة:
وبلغ ظاهر أن دنكزلي فتح البوابات وقال لأهل عكا: نحن لا نحارب السلطان فمن شاء أن يخرج فليخرج. فأسرع الناس بالخروج خوفا على دمهم تاركين أموالهم وأرزاقهم وكذلك تجهز ظاهر وخرج بعياله صباحا قاصدا هونين فعرف أحد خدمه بذلك وأخبر عثمان فخاف هذا أن تكون هذه المرة نظير السابقة ويرجع أبوه إلى عكا سالمًا. فأرسل إلى الدنكزلي يقول له هو ذا أبي خارج بعياله هاربا من عكا فإن شئت أن تكون أول محبوب عند حسن باشا فاقضي أمر الله به لأنه خارج وحده بعياله فأتى الدنكزلي مع بعض المغاربة وحطوا في مكان قريب يقال له أبو إضاءة فلما صار ظاهر بحرمه بعيدا عن عكا نحو ربع ساعة ونظر في حريمه فلم يوجد محظيته (جارية شركسية كانت عنده) فسأل عنها فقالوا: له ما رأيناها خرجت معنا. فقال: إنه من العار في وقت مثل هذا أن يترك الإنسان عرضه, ثم عاد بجواده, فوجدها قادمة. وإذ بلغ إليها أراد أن يردفها وراءه على فرسه وأخذ بيدها لذلك وكان لشيخوخته قد ضعف فوقع من فرسه عليها إلى الأرض وكان الدنكزلي ينظر إليه من بعيد مع أحد المغاربة الذين معه فأسرع إليه وأطلق عليه طبنجة[1] أصابته. فأخذ ظاهر يختبط في دمه ويقول: "اللهم أحمدك عليها شهادة لعرضي". واستل حينئذن الدنكزلي سيفه وقطع رأسه ومضى به إلى حسن باشا وكان المذكور قد نزل بعسكره من المراكب ونزل عكا".
بتصريف عن "تاريخ الشيخ ظاهر العمر" لـ ميخائيل الصباغ
التاريخ حقلٌ متشابك.. والفصل فيه لا يتمُ بمشرط الجراح؛ أكان روائيًّا، أو مؤرخاً، أو باحثاً، أو كائناً من كان، بيدَ أن الظرف الراهن الذي جاء ضمن واقع التجزئة القُطرية "فتحَ البابَ على مصراعيه"، فكثرت "المشارط"، وأصبحَ هنالك من يُفصِّل القوالب ويعبءُ بها المادة التاريخية بما يلائمُ هواهُ.. و"كلٌّ يغني على ليلاهُ".
**
محطة فارقة في تاريخ بلاد الشام، تعود إلى منتصف القرن السادس عشر الميلادي، حينما كان ظاهر عمر الزيداني حاكماً على بقعة جغرافية تشابكت فيها المناطق، وتشعبت الأحداث، انطلاقاً من المركز الإقليمي لمسارها آنذاك في عكا، وامتداداً من الجليل الأعلى إلى جنوب لبنان، فسورية – حوران –، وليسَ انتهاءاً بحلقة الوصل بينَ صفد وإربد وعجلون.
المفارقة أن مشرط الصحفي "الإسرائيلي" يؤاف كارني أخذ بتمزيق الروايةَ كلها، وسردَ ما يخدم الرؤية الصهيونية؛ فـ "العُمر" أقام دولته "اللا – قومية" آنذاك على "أرض إسرائيل"، ولم يكن سوى "شيخ بدوي ينحدر من قبيلة عربية استوطنت الجليل".
يتسلل كارني إلى التاريخ، باعتبار أنه يمكتلك الحقيقة كاملة، فيقدم مسلمات حول تلك الحقبة التي وثقت فقط بـ "أقلام المؤرخين الإسرائيليين لا الفلسطينيين الذين كتبوا عن نهضة تلك الفترة عمرانيًّا، وازدهارها اقتصادياً"، معتمداً في ما ذهب إليه على ما جاء به المؤرخ الصهيوني "اتسحاق بن تسفي"، في كتابه "تاريخ أرض إسرائيل"، متجاهلاً المصادر العربية، ومنها على سبيل المثال: تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيداني حاكم عكا وبلاد صفد – إبراهيم الصباغ، الروض الزاهر في تاريخ ظاهر – عبود الصباغ، الظاهر عمر – توفيق معمر (الناصرة – مطبعة الحكيم، 1979)، ظاهر العمر وحكام جبل نابلس – إبراهيم الدنفي (مركز التوثيق والأبحاث – نابلس – جامعة النجاح)، علاوةً على عشرات الدراسات والأبحاث العربية.
التزوير الآخر في رؤية كارني – الصحفي والباحث في عدة صحف عبرية وأمريكية – أنه فسر انهيار "دولة الزيداني" لـ "افتقارها إلى الثورة الشعبية الطامحة إلى تحقيق استقلال سياسي".. وبطبيعة الحال تجاهل أن تلك الحقبة الزمنية سادت فيها حركات تحرر – أو انفصال عن الإمبراطورية العثمانية –، كما حدث قبل تمرد العمر مع المعنيين والشهابيين في لبنان، وانتفاضة الشيخ محمد نصار (من وجهاء طبرية) العام 1725م، وانتفاضة أهل البعنة العام 1721م التي عبرت عن رفض دفع "مال الميري"، وما نتج عن تلك الانتفاضة من بروز لنجم ظاهر العمر، مروراً بحركة محمد علي باشا واعتلاءه عرش مصر.. وليس انتهاءاً بانتفاضتي الشوبك والكرك في الأردن مطلع القرن التاسع عشر.
وفي عملية توليف وتكييف للتاريخ بما يلائم الأطروحات الصهيونية، خرجت دعوات – شارك بها كارني – للاحتفال بالذكرى الـ 250 لتأسيس "حيفا العربية" على يد ظاهر العمر!، في الوقت الذي يسعى فيه الاحتلال إلى تحويل مسجد ظاهر العمر إلى "كنيس"، بزعمِ أن هذا المسجد بني على أنقاضِ معبدٍ يهودي، فعلى ماذا بنت حيفا؟.
**
في السيرةِ الشعبية ثمة تفاصيلٌ كثيرة، بعضها شفهي، ما زال متداولٌ بينَ العامة، وقد ذكرت المغنية النصراوية نائلة لبِّس الباحثة في مجال الفولكلور الفلسطيني لكاتب هذه السطور بعض الأغاني التراثية الدارجة لغاية اليوم، وهي مقطوعات متوارثة من الزجل الشعبي، تستحضر فترة حكم الزيداني بنشوةٍ وافتخار، وقسم آخر من العتابا والميجنا المجبولة بالحزن، ترثي الحال الذي انتهت إليه الإمارة الزيداني بعد مقتل زعيمها في عكا على يد ربيبهُ وقائد جيشه أحمد الدنكزلي.
قسم آخر ثُبِّت في المدونات التاريخية، والمراجع، وبعض الآثار الدالة، منها ما هو في فلسطين، وبعضها الآخر موجود في الأردن، كقلعة تبنة ومسجد الزيداني، وحصون وأماكن بنيت خلال امتداد حكم آل زيدان.
وبعيداً عن المشارط والقوالب وما يتعلقُ بهما.. فإن تاريخ الزيداني، كثيراً ما اقتصر على الجزء الشمالي من فلسطين التاريخية – منطقة الجليل وساحلها-، فيما كان سواهُما مجردَ هامش في مجمل الأحداث.
قد يكون السبب في ذلك أن مصادر التاريخ أولت تلك المنطقة أهمية كبرى كونها كانت مركز الأحداث، وربما يعود الأمر إلى المسار الواعي في تسليط الضوء على الأرض المحتلة لمواجهة الدعاية الصهيونية، إلا أن الحكاية – في هكذا حال – ستكونُ مبتورةً، ومنقوصةً، إذ لا يصحُ استثناء إربد وعجلون من التاريخ، وقد شملهما الحكم الزيداني خلال الفترة (1759م – 1775م)، واتخذت بلدة "تبنة" كعاصمة في الإقليم، علاوةً على محاولات الزيداني مد نفوذهِ نحو جنوب لبنان، ودمشق، وتحالفاتهِ التي شملت مصر، وبعض الدول الغربية.
وفي هذا الصدد؛ أرى أن الجهود المبذولة لرصد هذه الفترة التي شهدت فيها الأحداث شمال الأردن، ما تزال محاولات لم تصل إلى تشكيل رواية كاملة للأحداث، مع الإشارة إلى كتاب "المسجد الزيداني في تبنة" لأحمد صدقي شقيرات.
في المرجع الأهم – في العصر الحديث بعيداً عن المخطوطات – جاء في كتاب "ظاهر العمر" لتوفيق معمر المحامي، أن أحمد ظاهر عمر الزيداني حينما تولى إقليم شمال الأردن ولَّى الشيخ يوسف الشريدة ليكون حاكماً على عجلون وإربد والكوره، فلما كان حكمهُ حازماً بخلاف من سبقهُ، قال الشاعر – المجهول – في الشريدة والزيداني:
عزِّك يا صفد وأحمد بتبنه
وعن "ضروب" الجهل يا بوي تبنا
أنا حسـبتك ذهب وتراك تبنه
خفيف وطيرك نسيم الهوا (ص 275).


وللإشارة فقط، فإن بعض الباحثين اعتبرَ الأبيات السابقة رثاء لعائلة الزيداني بعد أن سقط حكمها في عموم بلاد الشام.
وبحسب توفيق المعمر فقد نقل عن "محمد قاسم الخطيب" أن رجل من "فداوية" أحمد لكز امرأة في أحد أزقة تبنة، فصاحت في وجهه قائلةً: "أتريدون أن تحكموننا بالعفة أم بالحرام"؟، فعرضت قصتها على أحمد الظاهر، فدعا الرجل ووبخهُ على فعلته القبيحة، فزعم الرجل أن ما فعلهُ كان من دون قصدٍ منه، لأن الطريق ضيق. وبعد أن استوضحَ أحمد من رحابة الطريق وتبين لهُ كذب الرجل،  عراهُ من ثيابه وأركبهُ فرساً وقيد رجليه على بطنها بالحديد، وقال له: "سر على بركة الله. هذا جزاء من يتعرض لأعراض الناس".
ورغم القصة السابق، وغيرها مما ذكر في الأثر، فإن هنالك من يشير بسلبية إلى حكم أحمد الظاهر وتنسب إليه التسلط وقهر الرعية – لاسيما في عجلون –، لذا حين سقطَ حُكم الزيداني في عكا، ثار العجلونيين على أحمد الظاهر – الذي وجد تأييداً في لواء الكورة -، وطاردوه حتى قرية لوبية غربي طبريا.
يقول الباحث في التاريخ أحمد محمود الشريدة في محاضرةٍ له حول تلك الفترة، أن "الأسرة الزيدانية الكريمة" حينما بدأت حكمها في شمال الأردن العام 1769م أخذت في إقامة المباني العمرانية والأماكن الدفاعية والدينية، ونستدل على ذلك – والكلام للشريدة – من خلال أبيات شعرية كانت مكتوبة على البوابة الرئيسية لقلعة  تبنة الزيدانية، قال فيها الشاعر:
عزك يا صفد واحمد بتبنه   
            ويا مر على بروج الدير بتبنى
على إيدك يا شيخ اليوم تبنى
                  ويرعى الذيب والنعجة  سوى
ويشير الشريدة إلى أن حكم الزيدانية اتسم في شمال الأردن بالعدل والحق والمساواة  ومما يدل على ذلك وجود ميزان العدل منقوش على أحد أبواب عقود قلعة الزيداني.















[1] الطبنجة: كلمة تركية وتعني البندقية، ويقصد هنا رصاصة.

1 التعليقات:

  1. افضل شركة مكافحة النمل الابيض بمكة
    ان القضاء على النمل الابيض يحتاج من لديه الخبرة بهذا المجال و نحن افضل شركة مكافحة النمل الابيض بمكة حيث نستخدم افضل و اقوى السموم للقضاء على النمل الابيض بشكل نهائى فمعنا اطمئن من انك تحصل على افضل النتائج الممكنة فنحن شركة مكافحة النمل الابيض بمكة التى دائما تهدف الى تحقيق مصلحة عملائها اولا قبل مصلحة الشركة فلا تتردد فى التواصل معنا الان
    شركة مكافحة النمل الابيض بمكة
    https://elbshayr.com/3/Pest-control

    ردحذف