حكايات

الخميس، 27 نوفمبر 2014

اللا معقول في سيرة "زرقاوات العرب"


اللا معقول في سيرة "زرقاوات العرب"

محمد محمود البشتاوي



إضاءة:
كانت اليمامة من بنات لُقْمان. ابن عاد، وأن اسمها عّنْزٌ، وكانت هي زرقاء، وكانت الزَّبَّاء زَرْقَاء، وكانت البَسُوس زرقاء..

الجاحظ
(الحيوان)



قيل في المثل العربي القديم: "كلُّ أزبٍّ نفور"، وهذا لا ينطبق بكل الأحوال على ملكة تدمر "زنوبيا"، وإنما على "الزباء" – صاحبة الأبرش –، لا لشيءٍ، وإنما لأن لون عيونها زرق.. والعرب كانت تتطيَّرُ من الزرقاء، ورغم أن "الأزب" هو كثيف الشَّعر في "معاجم العربية"، إلا أن المصادر أشارت إلى "الزباء" ذات العيون الزرق، كما بيَّن الجاحظ في كتابهِ الحيوان – وغيره –، وبذلك يكون هنالك معنى مباشر "كثيف الشعر"، ومعنى تمَّ تأويله وفق سياق الفهم العربي القديم، ونعني بهِ.. التطير من "الزرقاء. "
 وفي الجاهلية قبل الإسلام، كان وأد البنات يأتي منعاً لعارٍ قد يلحقُ بذويها إن وقعت سبيَّةً في حرب، أو انحرفت، أو لأنها ولدت بعاهةٍ، وثمة سبب رئيسي آخر ذكرتها المدونات التاريخية.. وهي أن تولدَ "زرقاء".
ويتناقل أهل الأخبار أن بعض العرب كانوا يتشاءمون من البنت الزرقاء وذكروا أن والد "سودة بنت زهرة" الكاهنة وهي عمة "وهب"، والد "آمنة" أم الرسول – صلى الله عليه وسلم –، أرسل بها إلى "الحجون" لوأدها، للصفة المذكورة، ثم تركها في قصة يروونها، وصارت كاهنة شهيرة. فسبب الوأد عند هؤلاء، هو هذه العقيدة القائمة على التشاؤم من البنت الزرقاء والشيماء[1].
وبحسب ما ورد في "الروض الأنف" لأبو القاسم السهيلي[2] حول قصة وأد "سوداء بنت زهرة بن كلاب وذلك أنها حين ولدت ورآها أبوها زرقاء شيماء أمر بوأدها وكانوا يئدون من البنات ما كان على هذه الصفة فأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك فلما حفر لها الحافر وأراد دفنها سمع هاتفا يقول لا تئدن الصبية وخلها في البرية فالتفت فلم ير شيئا فعاد لدفنها فسمع الهاتف يهتف بسجع آخر في المعنى فرجع إلى أبيها فأخبره بما سمع فقال: إن لها لشأنا وتركها فكانت كاهنة قريش".
بل إن المؤرخين القدامى اختلفوا حول "حدة بصر زرقاء اليمامة" إذ طعن البعض به، وقال إنها كانت كاهنة، لتضاف بذلك إلى قائمة الزرقاوات لدى العرب ممن امتهن الكهانة، كالزرقاء بنت زهير، وهند بنت الخس.
قال الجاحظ في كتابه "الحيوان"[3] حين أراد أن يعرف اليمامة "أنها كانت من بنات لُقْمان. ابن عاد، وأن اسمها عّنْزٌ، وكانت هي زرقاء، وكانت الزَّبَّاء زَرْقَاء، وكانت البَسُوس زرقاء"، ويضيف في موضعٍ آخر: ومن الزُّرق ممن كانوا يتشاءمون به: قيس بن زهير، وكان أزرق وكان بكراً وابن بِكْرين، وكانت البسوسُ زَرْقَاءَ وبكراً بنتَ بِكرين.. وكانت الزّبّاء زرقاء، والزرْق العيون، من بني قَيس بن ثعلبةَ، منهم المرقِّشان".
ولا ننسى أن فك طلسم "حصن الحضر" الذي كان بداخله الملك الضيزن بن معاوية تم – وفق الحكاية – بدم حيض جاريةٍ "زرقاء" كما تؤكد بعض المصادر، إذ يقول "الزركلي"[4] أن النضيرة بنت الضيزن بن معاوية السليحي من بنات الملوك في الجاهلية. أبيها "الضيزن" وهو صاحب "الحضر" في الجزيرة الفراتية، قتله "سابور ذو الأكتاف" ملك الفرس. والرواة متفقون على أن "النضيرة" كانت سبب فشله ومقتله، وإلى ذلك أشار نشوان الحميري في قصيدته "الحائية" بقوله وهو يذكر الزباء: قتلت جذيمة، وهو خاطبها، ولم تفعل كفعل "نضيرة" وسجاح قال شراح القصيدة: كان الضيزن قد ملك الجزيرة وكثيراً من الشام، وتتابعت غاراته على الفرس، فنهض إليه "سابور" ولجأ الضيزن إلى "الحضر" وحاصره "سابور" ثلاث سنين، وكان جميل الصورة، فرأته " النضيرة " فأحبته، وراسلته في أن تدله على ثغرة في الحصن، ويتزوجها، فوعدها، ودخل الحصن، وقتل أباها، وتزوجها، ثم قتلها فيما بعد.
وخلال تطرق "ابن كثير"[5] لعدة روايات بشأنها، ذكر "ويقال: بل دلتهم على طلسم كان في الحضر، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم، فيفتح الباب، ففعل ذلك فانفتح الباب".
وذكر ابن شاهين في "الاشارات في علم العبارات"[6] في تفسيره لرؤية المرأة في المنام قائلاً "يعتبر اللون في ذلك فإن كان أبيض أو أخضر فالمرأة صالحة، وإن كان أحمر أو أزرق فالمرأة سوء"، وينسحب اللون الأزرق – حسب تأويله للحُلم – على كل ما كان أزرق، فرؤية "خرقة زرقاء" أو "جلد أزرق" فإنه يدل على الحزن والمصيبة. وفي ضوء ذلك، ثمةَ استنتاج عام يتولَّد في التراث العربي القديم حيال "زرقة العين".. أنها فألٌ سيء يعود على أهلهِ بالخراب[7].


       العيون الزرقاء في الشعر
وفي الشعر..  يشير محمد جميل حطاب[8] إلى أن العرب عرف هذا اللون في عيون الجواري منذ عهد الجاهلية عن طريق قوافل التجار التي كانت تحمل الرقيق من بلاد فارس وغيرها، كما عرف العرب القدامى اللون الأزرق في عيون الغزاة الروم.. لذلك كره العرب اللون الأزرق واتهموا أصحاب العيون الزرق بالكذب واللؤم والشر.. فيقال في العدو «هو أزرق العين» وإن لم تكن عينه زرقاء..
وفي ذم العيون الزرق قال ذو الرمة مهاجماً قوماً[9]:
زرق العيون إذا جاورتهم سرقوا
                           ما يسرق العبد أو نابأتهم كذبوا[10]
وقد قال صُحَارٌ العبديُّ حين قال له معاوية: يا أزرق! قال: البازي[11] أزرَق وأنشد:
ولا عَيْبَ فيها غيرَ شُكْلَةِ عينِها
                         كذاك عِتاقُ الطيرِ شُكْلٌ عيونُها[12]
وهجا حماد بن عجرد البخل فقال[13]:
أروق بخير تؤمل للجزيل فما
                      ترجى الثمار إذا لم يورق العود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته
                          حتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل
                        زرق العيون عليها أوجه سود
ولما كان الاعتقاد العربي بهذا الشكل، فإن التمائم – ومنها الخرزة والعين الزرقاء - ما تزال إلى اليوم تستخدم، و"التمائم" ومفردها "التميمة"، هي عوذة على هيأة قلادة تضم خرزاً، وقد تكون من خرزة واحدة تستعمل للصبيان والنساء في الغالب اتقاء النفس والعين. فإذا كبر الطفل، انتزعت التميمة منه، فلما جاء الإسلام أبطل هذه العادة.
ولأن البشر تألف كل ما كان منها، فإن الحضارة الغربية مثلاً ترى في "زرقة العين"، صفة مثالية، ففي موسوعة "قصة حضارة" لـ "ويل ديورانت" ذكر أوصاف المثالثة في العصور الوسطى في أوروبا قائلاً: "كان الفارس المثالي طويلا، أشقر، ملتحيا، كما كانت المرأة المثالية في الملاحم والروايات نحيلة ممشوقة القوام، رشيقة، زرقاء العينين، ذات شعر طويل أشقر أو ذهبي".[14]
 


[1]  د. جواد علي، مصدر سابق، ج 9، ص 89
[2] أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي، الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق عمر عبد السلام السلامي، ج 1، ص 364، ط 1، 2000م،  دار إحياء التراث العربي – بيروت
[3] أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، ج 5 ، ص 331، ط2، 1966م، مصطفى البابي الحلبي وأولاده – القاهرة.
[4] خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 8، ص – ص 33 – 34، ط 15، 2002م، دار العلم للملايين - بيروت

[5] أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، البداية والنهاية، المحقق: علي شيري، ج 2، ص 228، ط 1، 1988، دار إحياء التراث العربي – بيروت
[6] ابن شاهين، الإشارات في علم العبارات، ج 1، ص 259، الموسوعة الشاملة
[7] رغم أن هنالك في المصادر التاريخية من يقرن ذوي "العيون الزرق" بالدهاء والحكمة، كما جاء في كتاب "الجاحظ" البيان والتبيين إذ قال: "من أهل الدهاء والنكراء ومن أهل اللسن واللقن والجواب العجيب والكلام الصحيح والأمثال السائرة والمخارج العجيبة هند بنت الخس وهي الزرقاء"، وفي موضعٍ آخر قال: "داهيتا نساء العرب هند الزرقاء وعنز الزرقاء وهي زرقاء اليمامة" (الجاحظ، البيان والتبيين – تحقيق عبد السلام هارون، ج 1، ص 313، ط7، 1998م - مكتبة الخانجي– القاهرة).
[8] للمزيد: محمد جميل الحطاب؛ العيون في الشعر العربي، 1999دار الحوار – اللاذقية (سوريا).
[9] نابأتهم: تركت جوارهم وتباعدت عنهم.
[10] ابن منظور، لسان العرب، ج 14، ص 169، 2003، دار صادر – بيروت.
[11] جنس من الصقور الصغيرة.
[12] الجاحظ: الحيوان، المصدر السابق، ج 5، ص 330.
[13] ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، ج1، ص 197، ط1، 1404 هـ، دار الكتب العلمية – بيروت
[14] وِل ديورَانت (ويليام جيمس ديورَانت)؛ قصة الحضارة، ت: د. زكي نجيب محمُود وآخرين، ج 16، ص 201، 1988م، دار الجيل – بيروت، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – تونس.



0 التعليقات:

إرسال تعليق