محمد محمود البشتاوي
إضاءة:
ورأى ملك الحضر "الضيزن" أن من
الأصلح له أن ينضم إلى الرومان الذين كانوا قد توجهوا نحو الشرق، واستولوا على
"ميديا"، وأن يهاجم الفرس. فهاجمهم وتغلب عليهم في معركة "شهر
زور" كما تذكر الموارد العربية، وأسر بنتا من بنات ملك الفرس. وكان ذلك في
حوالي السنة "232" للميلاد تقريبا.
د. جواد علي
(المفصل في تاريخ العرب
قبل الإسلام)
يعتور بعض القصص في التراث العربي ثغرات تجعل من ترابطها غير منطقي، رغم
أنها من المفرض فيها أن تكون نصوص تاريخية، تعالج حقبات قديمة من التاريخ العربي
في الجاهلية قبل الإسلام، وليست نصوص أدبية، تقدم سرداً فنيًّا.
ثغرات والتباسات
وبسبب تلك الثغرات، ذهب بعض المُحققين إلى نفي وجود تلك القصص أصلاً، أو
القول إنها مختلقة من قبل الإخباريين والمؤرخين، أو تم تناقلها دون مراجعتها، أو
فيها زيادة ونقصان، ومثال ذلك قصة "ملك الحضر / الضيزن بن معاوية"،
وحربه مع "سابور" الفارسي، الذي لم يتم التحقق من موقعهِ؛ فتارةً يكون
الملك "سابور ذو الأكتاف"، وتارةً أخرى "شابور الجنود" (قائد
الجيش)، وحيناً الملك "سابور ابن الملك أردشير الأول"، وهو يختلف عن
"سابور ذو الأكتاف"، الذي يسمى (سابور الثاني) أيضاً، ونسبت مصادر
التاريخ إليه أنه أثناء حروبه مع العرب كان يعمد إلى خلع أكتافِ ملوكهم، فذهب هذا
اللقب عليه.
وفي هذا الصدد، يوضح الدكتور جواد علي في موسوعته قائلاً: "يرى نولدكه[1]
أن هذا التفسير مصنوع، وان اللقب إنما جاء عند الساسانيين في معنى آخر لا علاقة له
بخلع الأكتاف، بل قصد به "ذو الأكتاف"، أي صاحب الأكتاف دلالة على الشدة
والقوة، فهو لقب تمجيد وتقدير. وقد حوله أهل الأخبار إلى معنى آخر، هو المعنى
المتقدم لبطش "سابور" بالعرب وإيقاعه القاسي بهم. أما "أرثر
كريتنسن[2]"، فيرى أن تفسير أهل الأخبار تفسير
صحيح، وهو لا يستبعد خالع "سابور" لأكتاف العرب، فقد كان مثل هذا
التعذيب القاسي المؤلم معروفا في تلك الأيام[3].
وذكر "حمزة الأصفهاني" أن التسمية المذكورة إنما جاءته من الجملة
الفارسية، وهي "شابور هويه سنبا" "وهويه اسم للكتف وسنبا أي نقاب.
قيل له ذلك لأنه لما غزا العرب كان ينقب أكتافهم، فيجمع بين كتفي الرجل منهم بحلقة
ويسبيه، فسمته الفرس بهذا الاسم وسمته العرب ذا الأكتاف" فالتسمية إذن هي
تسمية فارسية. ولا استبعد أن تكون القصة شرحا تكلفه القصاصون، لتفسير هذا اللقب،
وهناك ألقاب عديدة، فسرت تفسيرا أسطوريا على هذا النحو من المبالغة والتهويل"[4].
وثابتٌ في الأثر أن "الضيزن" – والساطرون بالسريانية وفق بعض
المصادر – يعد
من كبار ملوك
"الطوائف" عند العرب في الجاهلية قبل الإسلام، وقد هادن الروم وتحالف
معهم، وشنَّ حروباً على الفرس، وتوسعت حدود مملكته في العراق والشام ووصلت حدود
فارس.
ويشير الدكتور جواد علي في موسوعته[5]
إلى أن الضيزن "عامل من العمال العرب من سادات القبائل، قد يكون
"طيزانيس.."، و"يجوز أن يكون صاحب المدينة المسماة "طيزن
آباد" و"مرج الضيازن" على الفرات".
وتحمل قصة ملك الحضر "الضيزن" الكثير من الالتباسات، فإلى جانب
عدم تحديد فترة ولادته، ووفاته – مقتله –، فإن الإخباري "أبو حنيفة
الدينوري" في مصنفهِ "الأخبار الطوال" يذكر أن الزباء ويسميها
مارية الغسانية "ملكت بعد عمّها الضيزن"[6]،
رغم أن "الزباء" قتلت جذيمة الأبرش (268م)، فيما ولد سابور ذو الأكتاف
(أو الثاني) العام 309م، وتوفي في العام (379م)، أما سابور الأول (241م –272م).
وينطبق الوصف في المراجع على أن "سابور الثاني" (ذو الأكتاف)
الذي توج ملكاً في رحمِ أمهِ، فطمع العرب والروم بمملكته، هو من واجه الضيزن،
وعليه تنتفي بذلك رواية أن الزباء ملكت بعد عمِّها "الضيزن"، علاوةً على
كونها ابنة "عمرو بن الظرب بن حسان ابن أذينة بن السميدع"، ونسبُ
الضيزن" فيه خلاف، فهو بحسب "الطبري" جرمقاني، وقضاعي / عربي وفق
"ابن الكلبي".
وفي تحديد الفترة الزمنية فإن الوصف ينطبق على
"سابور الأول"، إن أخذنا ما جاء لدى د. جواد علي، إذ قال: "ورأى
ملك الحضر "الضيزن" أن من الأصلح له إن ينضم إلى الرومان الذين كانوا قد
توجهوا نحو الشرق، واستولوا على "ميديا"، وان يهاجم الفرس. فهاجمهم
وتغلب عليهم في معركة "شهر زور" كما تذكر الموارد العربية، وأسر بنتا من
بنات ملك الفرس. وكان ذلك في حوالي السنة "232" للميلاد تقريبا"،
ثم يكمل القصة كما وردت، ليكون الخلط قائماً، وإمكانية تحديد أي سابور ضائعة![7].
خلط آخر يقع بهِ أبو عبيد البكري الأندلسي في "معجم ما استعجم"
حينما يفصل بين شخصيتين "الضيزن" الذي يجعلهُ "نخميًّا" –
ربما قصد لخميًّا؛ أي من نفس سلالة الأبرش – و"الساطرون"، إذ يقول بعد
أن أغار "سابور الأكبر ذو الأكتاف" على بني عباد: "فسار معظمهم ومن
فيه نهوض، إلى الحضر من الجزيرة، يقودهم الضيزن بن معاوية التنوخي، فمضى حتى نزلوا
الحضر، وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني، فأقاموا به مع الزباء، فكانوا رجالها
وولاة أمرها، فلما قتلها عمرو بن عدى استولو على الملك"[8].
وكما بيّنا سابقاً فإن مولد "ذو الأكتاف" كان في العام (309م)،
ما يعني أنه لم يُغر بذلك على "بني عباد"، وربما كان المقصود "سابور الأول" المولود في العام
241م، أما مقتل الأبرش فكان في العام (268م).
أما ابن سعيد الأندلسي في "نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب"
فقد قدَّم إشارةً غير مترابطة في سياق حديثهِ عن "قصة الحضر" فـ
"قد قيل: إنه الذي غزا الأعرج من ولد سليمان النبي عليه السلام بالقدس،
وكاتبه بختنصر" بنصِّ مصنفهِ، ثم أضاف في موضعٍ آخر "وملك بختنصر الحضر
بعد ملك الضيزن"[9]،
علماً أن الملك البابلي "نبوخذ نصَّر" – بالعربية – قد تولى الحكم قبل
الميلاد في حوالي عام (605)، في حين أن أحداث "الحضر" – وفقاً لتاريخ
ولادة ووفاة "ذو الأكتاف" – تدور خلال الفترة (309 – 379م)، ووفقاً
لإشارة د. جواد علي بأن "الضيزن" أغار على الفرس في العام 232م، ما يعني
أن رواية ابن سعيد ضعيفة.
من البعد التاريخي إلى الأسطوري
التباس آخر وقعت فيه بعض المصادر، أن "النضيرة ابنت الضيزن" حينما خانت والدها
وتعاونت مع عدوهِ "سابور ذو الأكتاف"، فاتفقت معه على تسهيل عملية
اقتحامه لـ "حصن الحضر"، عبر فكِّ طلسمِ المنعةِ فيه، مقابل أن يتزوجها
ويجعها ذات مكانةٍ تتجاوز جميع نسائه، فيوافق، ثم تشير إليه أن يذهب ويحضر ورقةً
ويأتي بحمامةٍ – من نوع "ورشان" وفق مسميات ذلك العصر – فيخضبُ رجلاها
بحيض جاريةٍ زرقاء – إشارة إلى لون عيونها –، ثم لتدوس على الورقة ويربطها بها،
ليتركها، كي تطير وتحطَّ على السور فيتداعى كلهُ!.
في المسار السردي السابق توجد "ثيمة طروادية" – نسبةً إلى طروادة
– إذ أن الأمير "باريس" في الأسطورة – وعرف أيضاً باسم
"أليكساندر" – يغوي "هلين" ملكة أسبرطة أثناء غياب زوجها،
ويقال إنه خطفها إلى "طروادة"، فأشعل الحرب بذلك.
وفيما كان "أليكساندر" / "سابور" فإن "هلين"
تكون "الضيزن"، وفي وقتٍ يسقط فيه الحصن المنيع بسبب "خدعة
حرب" في "طروادة".. فإن "حصن الحضر" يهوي بسبب
"ورقةٍ مخضبة بحيض جارية"، كما سيقط حصن "الزباء" بإبلٍ محملة
بصناديق يختبئ بداخلها المقاتلون بخدعةٍ من "قصير"، وهكذا تكون قصة
"الضيزن" انتقلت من البعد التاريخي إلى آخر فيه "بنية
أسطورية".
وفي العودة إلى نهاية "الضيزن" ومملكته "الحضر"، فإن
الثابت في روايات الإخباريين خيانة ابنته لهُ، وتعاونها مع عدوهِ، مع وجود أكثر من
قول حول نهايته – وخلع كتفهِ بعد سقوط الحصن –، الأول أن "النضيرة" دلت
"ذو الأكتاف" على نهرٍ يروي "الحضر" المحاصرة من قبل جيشه
يقال له "ثرثار" فقطع الماء عن المحاصرين بينما أخذت
"النضيرة" تُسكر حرّاس الحصن بالخمرةِ إلى أن "صرعوا"، وقول
آخر إن
"ثرثار" جهةٌ كان بها نفق دخل منه الجنود الغزاةُ.. رأي آخر يذكره ابن
كثير أن النضيرة أرسلت خادماً لها ليبعث بمفتاح الحصن إلى "سابور"..
فدخل المدينة من أبوابها!.
كما أن هنالك تضاربٌ بين الإخباريين حول مدة حصار
الذي فرض على الحضر، فمنم من قال أشهرٌ، وآخرين قالوا أربعَ سنوات، وثمة من قال
ثلاث سنين، ومن قال سنتين (حولين كاملين).
وثمة نهايات مختلفٌ عليها بالنسبةِ لـ
"النضيرة" وإن كانت النتيجة واحدة، إذ يقول فريق أن "ذو
الأكتاف" بعد أن دخل بها في منطقة "عين تمر"، ناما، وفي الصباح
وجدها ساهدةً تشكو له خشن فراشهِ الذي قال عنه إنه "من حرير محشو بزغب النعام" والملوك لم تنم على
أفضل منه، سألها بصيغة التوبيخ – حسب الروايات -: "ويحكِ وماذا كان يطعمُكِ
والِدَيْكِ؟"، فقالت "المخ والزبد وصفو الخمر والشهد"، فقال لها: "إن كانت هذه حالك
معهما وفعلت بهما ما فعلت فلن تصلحي لأحد بعدهما"، فأمر بقتلها.
بعضُ الإخباريين اكتفى بآخر السطر السابق، والبعض الآخر قالِ إنه أمر جندهُ
بربطِ ذؤابتها بين فرسين فانطلقا ومزقاها إرباً، ومنهم من قال إنِّه أمر رجلا فركب
فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطعها قطعا، وهنالك من قال إنه أمر
بربطٍ رجليها بين فرسين جموحين فانطلقا ومزقاها تمزيقاً، والرواية الأخيرة أقرب
لواقع تلك العصور.
وبحسب محمد بن الحسن بن الحمدون في "تذكرته"[10]
فإن "النضيرة" كان الناظرُ إليها يرى "مخها من لين بشرتها"،
وكانت ورقةُ آس "ريحان" في فراشِ "سابور" قد جرحتها في عكنتها
– أي ثنايا بطنها – ما استفزَّ "ذو الأكتاف" فسألها عما كان يصنعُ لها
والديها.. وصولاً إلى النتيجة التي وصلت إليها.
أما لو أخذنا الشعر كمصدر استدلال حول رواية نهاية الحضر وحصارها، فإن
الشاعر عمرو بن سليح القضاعي يروي أن المدينة سقطت بعد أن استقدم "سابور
الجنود" قوةً من الفيلة هدمت الأسوار وتمكنت من القضاء على صمود أهلها،
ونقلاً عن الأصفهاني في "الأغاني" يقول القضاعي[11]:
وَمَصْرَعُ ضَيزنِ وَبَني ابيهِ
اتاهُمْ بالفيُول مْجللات
فَهَدَّمَ مِنْ أواسي الحِصْنِ صَخْراً
وَأحْلاس الكَتائب مِنْ تزيد
وبالأبطال سَابورٌ الجُنُودِ
كان ثقاله زُبر الحديد
"نكاح الضيزن"
خلال عملية البحث والقراءة، صدف أن وجدتُ مقالات
تتحدَّثُ عند تعريفها لـ "الضيزن بن معاوية" أنه كان من ملوك الطوائف
و"تخشاهُ ملوك العرب وكان يزاحمَ امرأةَ أبيه"، إلا أن المعلومة الأخيرة
في "المزاحمة" لم ترد في مصنفات الإخباريين، كما لم يرد ذلك في موسوعة
د. جواد علي.
ورغم تطابق "نكاح الضيزن" مع اسم ملك
الحضر "الضيزن" إلا أن هذه الصفة لم تكن نسبةً إليه، فبحسبِ "مرتضى الزبيدي[12]"
فإن "الضَّيْزَنُ" لها عدةُ معانٍ، منها "الحافظ الثقة"،
و"الضيزن: ولد الرجل وعياله وشركاؤه"، و"عامل الخراج"،
و"النحاس"، و"قال ابن الأعرابي: الضيزن الذي يتزوج امرأة أبيه إذا
طلقها أو مات عنها"، و"قيل: الضيزن: من يزاحمك عند الاستقاء في البئر".
وفي كل المعاني السابقة فإن "المشاركة
والمزاحمة" الأكثر بروزاً، لذا كان في الجاهليةِ قبل الإسلام "نكاحُ
الضيزن"، وهو أن يحتكر الابن زوجة أبيه بعد موته أو طلاقه، فيكون أولاده منها
أخوته في نفس الوقت.
وفي هذا الصدد؛ يقول الدكتور جواد علي[13]:
أطلق عليه المسلمون "نكاح المقت"، وعرف بـ"نكاح الضيزن" كذلك.
وهو نكاح معروف من أنكحة الجاهليين، وذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات
زوجها كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها، وإن شاء
عضلها فمنعها من غيره ولم يزوجها حتى تموت".
ويضيف علي: "وهذا الزواج على أنه كان معروفًا
وقد مارسه أناس معروفون كان ممقوتًا من الأكثرية، ولذلك عرف بـ"زواج
المقت"، وأطلقوا على الرجل الذي يخلف امرأة أبيه إذا طلّقها أو مات عنها وقيل
من يزاحم أباه في امرأته "الضيزن". وقالوا للولد الذي يولد من هذا
الزواج مقتي ومقيت".
[1] تيودور نولدكه مستشرق ألماني له كتاب "تاريخ
العرب والفرس في عهد الساسانيين (الموسوعة الحرة – ويكيبيديا)
[2] أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة كوينهاجن، الذي
يعد من خير من كتبوا عن إيران قبل الإسلام وبعده. وقد عنى كريستنسن بدراسة تاريخ إيران
قبل الإسلام، واستغرق هذا الموضوع كثر كتاباته. ولا شك أن ما أتيح له= =من الدراسة
الجدية في صباه ومعها استطاع أن يحصله من معرفة باللغات واللهجات القديمة ثم إتقانه
للغتين العربية والفارسية واللغات الأوربية المختلفة. (مكتبة نيل وفرات على الإنترنت).
[6] أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري، الأخبار الطوال،
تحقيق: عبد المنعم عامر، مراجعة: الدكتور جمال الدين الشيال، ص 54، ط 1، 1960م، دار
إحياء الكتب العربي - عيسى البابي الحلبي وشركاه -
القاهرة
[9] ابن سعيد الأندلسي، نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب،
المحقق: الدكتور نصرت عبد الرحمن، ص 150، 1982م، مكتبة الأقصى، عمان – الأردن.
[12] محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض،
الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، مجموعة محققين، ج 35، ص
328، 1385هـ، دار الهداية – بيروت.



0 التعليقات:
إرسال تعليق