حكايات

اللا معقول في سيرة "زرقاوات العرب"

كانت اليمامة من بنات لُقْمان. ابن عاد، وأن اسمها عّنْزٌ، وكانت هي زرقاء، وكانت الزَّبَّاء زَرْقَاء، وكانت البَسُوس زرقاء..

ملك الحضر؛ تاريخ ملتبس وبعد أسطوري

ورأى ملك الحضر "الضيزن" أن من الأصلح له أن ينضم إلى الرومان الذين كانوا قد توجهوا نحو الشرق، واستولوا على "ميديا"، وأن يهاجم الفرس. فهاجمهم وتغلب عليهم في معركة "شهر زور" كما تذكر الموارد العربية، وأسر بنتا من بنات ملك الفرس. وكان ذلك في حوالي السنة "232" للميلاد تقريبا.

هندسة الشتات الفلسطيني في "عودة الروح" لجاين فريري

ثمةَ عالمٌ غامضٌ يذوبُ أمامَ الواقعِ، ويذوي بعيداً بعد أن يتفسخَ، ليتجسدَ في حقيقةٍ لطالما كانت غائبة!.

ثالثهما الشيطان

لا أحدَ يعرفُ ماذا حدَثَ، إلا الثالثُ الذي يُمسكُ بيديهِ خيوط العقدةِ، وبإمكانهِ أن يُكمل الحكايةَ

الخميس، 27 نوفمبر 2014

الضيزن.. ملك الحضر؛ تاريخ ملتبس وبعد أسطوري



محمد محمود البشتاوي

إضاءة:
ورأى ملك الحضر "الضيزن" أن من الأصلح له أن ينضم إلى الرومان الذين كانوا قد توجهوا نحو الشرق، واستولوا على "ميديا"، وأن يهاجم الفرس. فهاجمهم وتغلب عليهم في معركة "شهر زور" كما تذكر الموارد العربية، وأسر بنتا من بنات ملك الفرس. وكان ذلك في حوالي السنة "232" للميلاد تقريبا.
د. جواد علي
(المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)
يعتور بعض القصص في التراث العربي ثغرات تجعل من ترابطها غير منطقي، رغم أنها من المفرض فيها أن تكون نصوص تاريخية، تعالج حقبات قديمة من التاريخ العربي في الجاهلية قبل الإسلام، وليست نصوص أدبية، تقدم سرداً فنيًّا.

ثغرات والتباسات
وبسبب تلك الثغرات، ذهب بعض المُحققين إلى نفي وجود تلك القصص أصلاً، أو القول إنها مختلقة من قبل الإخباريين والمؤرخين، أو تم تناقلها دون مراجعتها، أو فيها زيادة ونقصان، ومثال ذلك قصة "ملك الحضر / الضيزن بن معاوية"، وحربه مع "سابور" الفارسي، الذي لم يتم التحقق من موقعهِ؛ فتارةً يكون الملك "سابور ذو الأكتاف"، وتارةً أخرى "شابور الجنود" (قائد الجيش)، وحيناً الملك "سابور ابن الملك أردشير الأول"، وهو يختلف عن "سابور ذو الأكتاف"، الذي يسمى (سابور الثاني) أيضاً، ونسبت مصادر التاريخ إليه أنه أثناء حروبه مع العرب كان يعمد إلى خلع أكتافِ ملوكهم، فذهب هذا اللقب عليه.
وفي هذا الصدد، يوضح الدكتور جواد علي في موسوعته قائلاً: "يرى نولدكه[1] أن هذا التفسير مصنوع، وان اللقب إنما جاء عند الساسانيين في معنى آخر لا علاقة له بخلع الأكتاف، بل قصد به "ذو الأكتاف"، أي صاحب الأكتاف دلالة على الشدة والقوة، فهو لقب تمجيد وتقدير. وقد حوله أهل الأخبار إلى معنى آخر، هو المعنى المتقدم لبطش "سابور" بالعرب وإيقاعه القاسي بهم. أما "أرثر كريتنسن[2]"، فيرى أن تفسير أهل الأخبار تفسير صحيح، وهو لا يستبعد خالع "سابور" لأكتاف العرب، فقد كان مثل هذا التعذيب القاسي المؤلم معروفا في تلك الأيام[3].
وذكر "حمزة الأصفهاني" أن التسمية المذكورة إنما جاءته من الجملة الفارسية، وهي "شابور هويه سنبا" "وهويه اسم للكتف وسنبا أي نقاب. قيل له ذلك لأنه لما غزا العرب كان ينقب أكتافهم، فيجمع بين كتفي الرجل منهم بحلقة ويسبيه، فسمته الفرس بهذا الاسم وسمته العرب ذا الأكتاف" فالتسمية إذن هي تسمية فارسية. ولا استبعد أن تكون القصة شرحا تكلفه القصاصون، لتفسير هذا اللقب، وهناك ألقاب عديدة، فسرت تفسيرا أسطوريا على هذا النحو من المبالغة والتهويل"[4].
وثابتٌ في الأثر أن "الضيزن" – والساطرون بالسريانية وفق بعض المصادر – يعد من كبار ملوك "الطوائف" عند العرب في الجاهلية قبل الإسلام، وقد هادن الروم وتحالف معهم، وشنَّ حروباً على الفرس، وتوسعت حدود مملكته في العراق والشام ووصلت حدود فارس.
ويشير الدكتور جواد علي في موسوعته[5] إلى أن الضيزن "عامل من العمال العرب من سادات القبائل، قد يكون "طيزانيس.."، و"يجوز أن يكون صاحب المدينة المسماة "طيزن آباد" و"مرج الضيازن" على الفرات".
وتحمل قصة ملك الحضر "الضيزن" الكثير من الالتباسات، فإلى جانب عدم تحديد فترة ولادته، ووفاته – مقتله –، فإن الإخباري "أبو حنيفة الدينوري" في مصنفهِ "الأخبار الطوال" يذكر أن الزباء ويسميها مارية الغسانية "ملكت بعد عمّها الضيزن"[6]، رغم أن "الزباء" قتلت جذيمة الأبرش (268م)، فيما ولد سابور ذو الأكتاف (أو الثاني) العام 309م، وتوفي في العام (379م)، أما سابور الأول (241م –272م).
وينطبق الوصف في المراجع على أن "سابور الثاني" (ذو الأكتاف) الذي توج ملكاً في رحمِ أمهِ، فطمع العرب والروم بمملكته، هو من واجه الضيزن، وعليه تنتفي بذلك رواية أن الزباء ملكت بعد عمِّها "الضيزن"، علاوةً على كونها ابنة "عمرو بن الظرب بن حسان ابن أذينة بن السميدع"، ونسبُ الضيزن" فيه خلاف، فهو بحسب "الطبري" جرمقاني، وقضاعي / عربي وفق "ابن الكلبي".
وفي تحديد الفترة الزمنية فإن الوصف ينطبق على "سابور الأول"، إن أخذنا ما جاء لدى د. جواد علي، إذ قال: "ورأى ملك الحضر "الضيزن" أن من الأصلح له إن ينضم إلى الرومان الذين كانوا قد توجهوا نحو الشرق، واستولوا على "ميديا"، وان يهاجم الفرس. فهاجمهم وتغلب عليهم في معركة "شهر زور" كما تذكر الموارد العربية، وأسر بنتا من بنات ملك الفرس. وكان ذلك في حوالي السنة "232" للميلاد تقريبا"، ثم يكمل القصة كما وردت، ليكون الخلط قائماً، وإمكانية تحديد أي سابور ضائعة![7].
خلط آخر يقع بهِ أبو عبيد البكري الأندلسي في "معجم ما استعجم" حينما يفصل بين شخصيتين "الضيزن" الذي يجعلهُ "نخميًّا" – ربما قصد لخميًّا؛ أي من نفس سلالة الأبرش – و"الساطرون"، إذ يقول بعد أن أغار "سابور الأكبر ذو الأكتاف" على بني عباد: "فسار معظمهم ومن فيه نهوض، إلى الحضر من الجزيرة، يقودهم الضيزن بن معاوية التنوخي، فمضى حتى نزلوا الحضر، وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني، فأقاموا به مع الزباء، فكانوا رجالها وولاة أمرها، فلما قتلها عمرو بن عدى استولو على الملك"[8].
وكما بيّنا سابقاً فإن مولد "ذو الأكتاف" كان في العام (309م)، ما يعني أنه لم يُغر بذلك على "بني عباد"، وربما كان المقصود  "سابور الأول" المولود في العام 241م، أما مقتل الأبرش فكان في العام (268م).
أما ابن سعيد الأندلسي في "نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب" فقد قدَّم إشارةً غير مترابطة في سياق حديثهِ عن "قصة الحضر" فـ "قد قيل: إنه الذي غزا الأعرج من ولد سليمان النبي عليه السلام بالقدس، وكاتبه بختنصر" بنصِّ مصنفهِ، ثم أضاف في موضعٍ آخر "وملك بختنصر الحضر بعد ملك الضيزن"[9]، علماً أن الملك البابلي "نبوخذ نصَّر" – بالعربية – قد تولى الحكم قبل الميلاد في حوالي عام (605)، في حين أن أحداث "الحضر" – وفقاً لتاريخ ولادة ووفاة "ذو الأكتاف" – تدور خلال الفترة (309 – 379م)، ووفقاً لإشارة د. جواد علي بأن "الضيزن" أغار على الفرس في العام 232م، ما يعني أن رواية ابن سعيد ضعيفة.

من البعد التاريخي إلى الأسطوري   
التباس آخر وقعت فيه بعض المصادر، أن "النضيرة ابنت الضيزن" حينما خانت والدها وتعاونت مع عدوهِ "سابور ذو الأكتاف"، فاتفقت معه على تسهيل عملية اقتحامه لـ "حصن الحضر"، عبر فكِّ طلسمِ المنعةِ فيه، مقابل أن يتزوجها ويجعها ذات مكانةٍ تتجاوز جميع نسائه، فيوافق، ثم تشير إليه أن يذهب ويحضر ورقةً ويأتي بحمامةٍ – من نوع "ورشان" وفق مسميات ذلك العصر – فيخضبُ رجلاها بحيض جاريةٍ زرقاء – إشارة إلى لون عيونها –، ثم لتدوس على الورقة ويربطها بها، ليتركها، كي تطير وتحطَّ على السور فيتداعى كلهُ!.
في المسار السردي السابق توجد "ثيمة طروادية" – نسبةً إلى طروادة – إذ أن الأمير "باريس" في الأسطورة – وعرف أيضاً باسم "أليكساندر" – يغوي "هلين" ملكة أسبرطة أثناء غياب زوجها، ويقال إنه خطفها إلى "طروادة"، فأشعل الحرب بذلك.
وفيما كان "أليكساندر" / "سابور" فإن "هلين" تكون "الضيزن"، وفي وقتٍ يسقط فيه الحصن المنيع بسبب "خدعة حرب" في "طروادة".. فإن "حصن الحضر" يهوي بسبب "ورقةٍ مخضبة بحيض جارية"، كما سيقط حصن "الزباء" بإبلٍ محملة بصناديق يختبئ بداخلها المقاتلون بخدعةٍ من "قصير"، وهكذا تكون قصة "الضيزن" انتقلت من البعد التاريخي إلى آخر فيه "بنية أسطورية".
وفي العودة إلى نهاية "الضيزن" ومملكته "الحضر"، فإن الثابت في روايات الإخباريين خيانة ابنته لهُ، وتعاونها مع عدوهِ، مع وجود أكثر من قول حول نهايته – وخلع كتفهِ بعد سقوط الحصن –، الأول أن "النضيرة" دلت "ذو الأكتاف" على نهرٍ يروي "الحضر" المحاصرة من قبل جيشه يقال له "ثرثار" فقطع الماء عن المحاصرين بينما أخذت "النضيرة" تُسكر حرّاس الحصن بالخمرةِ إلى أن "صرعوا"، وقول آخر إن "ثرثار" جهةٌ كان بها نفق دخل منه الجنود الغزاةُ.. رأي آخر يذكره ابن كثير أن النضيرة أرسلت خادماً لها ليبعث بمفتاح الحصن إلى "سابور".. فدخل المدينة من أبوابها!.
كما أن هنالك تضاربٌ بين الإخباريين حول مدة حصار الذي فرض على الحضر، فمنم من قال أشهرٌ، وآخرين قالوا أربعَ سنوات، وثمة من قال ثلاث سنين، ومن قال سنتين (حولين كاملين).
وثمة نهايات مختلفٌ عليها بالنسبةِ لـ "النضيرة" وإن كانت النتيجة واحدة، إذ يقول فريق أن "ذو الأكتاف" بعد أن دخل بها في منطقة "عين تمر"، ناما، وفي الصباح وجدها ساهدةً تشكو له خشن فراشهِ الذي قال عنه إنه "من حرير محشو بزغب النعام" والملوك لم تنم على أفضل منه، سألها بصيغة التوبيخ – حسب الروايات -: "ويحكِ وماذا كان يطعمُكِ والِدَيْكِ؟"، فقالت "المخ والزبد وصفو الخمر والشهد"، فقال لها: "إن كانت هذه حالك معهما وفعلت بهما ما فعلت فلن تصلحي لأحد بعدهما"، فأمر بقتلها.
بعضُ الإخباريين اكتفى بآخر السطر السابق، والبعض الآخر قالِ إنه أمر جندهُ بربطِ ذؤابتها بين فرسين فانطلقا ومزقاها إرباً، ومنهم من قال إنِّه أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطعها قطعا، وهنالك من قال إنه أمر بربطٍ رجليها بين فرسين جموحين فانطلقا ومزقاها تمزيقاً، والرواية الأخيرة أقرب لواقع تلك العصور.
وبحسب محمد بن الحسن بن الحمدون في "تذكرته"[10] فإن "النضيرة" كان الناظرُ إليها يرى "مخها من لين بشرتها"، وكانت ورقةُ آس "ريحان" في فراشِ "سابور" قد جرحتها في عكنتها – أي ثنايا بطنها – ما استفزَّ "ذو الأكتاف" فسألها عما كان يصنعُ لها والديها.. وصولاً إلى النتيجة التي وصلت إليها.
أما لو أخذنا الشعر كمصدر استدلال حول رواية نهاية الحضر وحصارها، فإن الشاعر عمرو بن سليح القضاعي يروي أن المدينة سقطت بعد أن استقدم "سابور الجنود" قوةً من الفيلة هدمت الأسوار وتمكنت من القضاء على صمود أهلها، ونقلاً عن الأصفهاني في "الأغاني" يقول القضاعي[11]:
وَمَصْرَعُ ضَيزنِ وَبَني ابيهِ
                     اتاهُمْ بالفيُول مْجللات
فَهَدَّمَ مِنْ أواسي الحِصْنِ صَخْراً
                    وَأحْلاس الكَتائب مِنْ تزيد
وبالأبطال سَابورٌ الجُنُودِ
                      كان ثقاله زُبر الحديد

"نكاح الضيزن"
خلال عملية البحث والقراءة، صدف أن وجدتُ مقالات تتحدَّثُ عند تعريفها لـ "الضيزن بن معاوية" أنه كان من ملوك الطوائف و"تخشاهُ ملوك العرب وكان يزاحمَ امرأةَ أبيه"، إلا أن المعلومة الأخيرة في "المزاحمة" لم ترد في مصنفات الإخباريين، كما لم يرد ذلك في موسوعة د. جواد علي.
ورغم تطابق "نكاح الضيزن" مع اسم ملك الحضر "الضيزن" إلا أن هذه الصفة لم تكن نسبةً إليه،  فبحسبِ "مرتضى الزبيدي[12]" فإن "الضَّيْزَنُ" لها عدةُ معانٍ، منها "الحافظ الثقة"، و"الضيزن: ولد الرجل وعياله وشركاؤه"، و"عامل الخراج"، و"النحاس"، و"قال ابن الأعرابي: الضيزن الذي يتزوج امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها"، و"قيل: الضيزن: من يزاحمك عند الاستقاء في البئر".
وفي كل المعاني السابقة فإن "المشاركة والمزاحمة" الأكثر بروزاً، لذا كان في الجاهليةِ قبل الإسلام "نكاحُ الضيزن"، وهو أن يحتكر الابن زوجة أبيه بعد موته أو طلاقه، فيكون أولاده منها أخوته في نفس الوقت.
وفي هذا الصدد؛ يقول الدكتور جواد علي[13]: أطلق عليه المسلمون "نكاح المقت"، وعرف بـ"نكاح الضيزن" كذلك. وهو نكاح معروف من أنكحة الجاهليين، وذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات زوجها كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها، وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوجها حتى تموت".
ويضيف علي: "وهذا الزواج على أنه كان معروفًا وقد مارسه أناس معروفون كان ممقوتًا من الأكثرية، ولذلك عرف بـ"زواج المقت"، وأطلقوا على الرجل الذي يخلف امرأة أبيه إذا طلّقها أو مات عنها وقيل من يزاحم أباه في امرأته "الضيزن". وقالوا للولد الذي يولد من هذا الزواج مقتي ومقيت".




[1] تيودور نولدكه مستشرق ألماني له كتاب "تاريخ العرب والفرس في عهد الساسانيين (الموسوعة الحرة – ويكيبيديا)
[2] أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة كوينهاجن، الذي يعد من خير من كتبوا عن إيران قبل الإسلام وبعده. وقد عنى كريستنسن بدراسة تاريخ إيران قبل الإسلام، واستغرق هذا الموضوع كثر كتاباته. ولا شك أن ما أتيح له= =من الدراسة الجدية في صباه ومعها استطاع أن يحصله من معرفة باللغات واللهجات القديمة ثم إتقانه للغتين العربية والفارسية واللغات الأوربية المختلفة. (مكتبة نيل وفرات على الإنترنت).
[3] جواد علي، مصدر سابق، ج 4، ص 296
[4] المصدر السابق، ج 4، ص 296
[5] المصدر السابق، ج 4، ص 270
[6] أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري، الأخبار الطوال، تحقيق: عبد المنعم عامر، مراجعة: الدكتور جمال الدين الشيال، ص 54، ط 1، 1960م، دار إحياء الكتب العربي - عيسى البابي الحلبي وشركاه -  القاهرة
[7] جواد علي، مصدر سابق، ج 4، ص 267
[8] أبو عبيد البكري، معجم ما استعجم، ج 1، ص 130، موقع الوراق
[9] ابن سعيد الأندلسي، نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب، المحقق: الدكتور نصرت عبد الرحمن، ص 150، 1982م، مكتبة الأقصى، عمان – الأردن.

[10] محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون، التذكرة الحمدونية، (1/296)، الموسوعة الشاملة
[11] أبو فرج الأصفهاني، الأغاني، تحقيق سمير جابر، ج 2، ص 133، ط 2، 1998م، دار الفكر - بيروت
[12] محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، مجموعة محققين، ج 35، ص 328،  1385هـ، دار الهداية – بيروت.
[13] جواد علي، مصدر سابق، ج 10، ص206

البحث عن "سُنمار". تعددت الروايات والسردُ واحدُ



محمد محمود البشتاوي

إضاءة:
وَكَانَ الَّذِي بنى الخورنق رجلا يُقَال لَهُ سنمار فَلَمَّا فرغ من بنائِهِ عجبوا من حسنه وإتقان عمله. فَقَالَ لَو علمت أَنكُمْ توفوني أجرتي وتصنعون بِي مَا أستحقه لبنيته بِنَاء يَدُور مَعَ الشَّمْس حَيْثُمَا دارت. فَقَالُوا وَإنَّك لتبني مَا هُوَ أفضل مِنْهُ وَلم تبنه ثمَّ أَمر بِهِ فَطرح من رَأس الْجَوْسَقِ.
عبد القادر البغدادي
( خزانة الأدب)



تثير حكاية "جزاء سنّمار" الشهيرة جدلاً لمن أرادَ تتبع خيوطها في المُصنفات التاريخية، فإلى جانب أنها جاءت في قالب سردي محدد، وواضح بفكرته، ورسالته، يتضمن تنكُّراً لمن أحسن، ونسفا لمبدأ "الجنس من جزاء العمل"، فإنها – أي الحكاية – تحملُ تناقضاتٍ عدَّة، نتلمسها خلال عملية المقارنة بين راوٍ وآخر.

"أطم" أحيحة بن الحلاج
وأوَّل ما يثير الالتباس أن القصة تكررت عربيًّا في موضع آخر عند قلة قليلة من الإخباريين، عندما قام الشاعر والمرابي "أحيحة بن الجلاح[1]" سيد الأوس، وأحد دهاة الجاهلية، وغلاماً له، ببناء "أطم" – كما وردت ومعناها الحصن –، فلما بناه أشرف – أي انتهى – قال ابن الحلاج للغلام: "لقد بنيت حصناً حصيناً ما بنى مثله رجل من العرب أمنع منه، ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع وقع جميعاً. فقال غلامه: أنا أعرفه!. قال: فأرنيهِ يا بني!. قال: هو هذا! وصرف إليه رأسه؛ فلما رأى أحيحة أنه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات. وإنما قتله لئلا يعرف ذلك الحجر أحد" كما جاء في "خزانةِ الأدب" لعبد القادر البغدادي[2].
وإن كانت قصة سيد الأوس مع الغلام بهذا التجريد دون تفاصيل، مع إضافة بسيطة فيها شيء من التحوير لابن حبيب في مصنفهِ "المنمق في أخبار قريش"، إذ أضاف أن "سنّمار" من بنى "أطم" المستظل لابن الحلاج ثم استكمل الحكاية على نحو ما جاء لدى "البغدادي".

حصن الخورنق
وفيما كان "حصن المستظل" في "الجزيرة العربية"، فإن "قصر الخورنق" الذي بناهُ "سنمار" في أرض السواد.. جاء بتفصيلات كثيرة، تحمل في طيّاتها تضارب المُحتوى من حيث الآمر لبناء الحِصن، أهو الملك النعمان بن المنذر اللخمي، ملك الحيرة، والذي كثرت حوله الأخبار والحكايات، أم النعمان بن امرؤ القيس بن عمرو – الملقب بالسائح ويعرف بـ "الأعور"، أم الملك الفارسي بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف.
ويذكر الدكتور جواد علي في موسوعته أن أغلب المؤرخين قالُوا بأنَّ "الخورنق" بني في عهد النعمان "السائح"، وليس ابن المنذر، الذي قيل إنه سكن فيه، فاختلط الأمر على البعض بين "السائح" و"ابن المنذر"[3].
كما أن "سنمار" مختلفٌ عليه أيضاً؛ فهو "رومي" تارةً، و"آرامي"، وأحياناً "نبطي"، علاوةً على أن اللغويين اختلفوا بأمرهِ، فرغم أن الكلمة لها معانٍ بالعربية كـ "المضيء" و"اللص"! – وكلاهما نقيض الآخر –، فإن سيبويه نفى أن يكون الاسم عربيًّا، بل وثمة من أكد أنه اسم أعجميُّ جرى على لسان العرب. 
وثابتٌ في "معجم ما استعجم" لأبو عبيد البكري، وفي "معجم البلدان" للحموري، و"لسان العرب" لابن منظور أن "خورنق" هي كلمة معربة جاءت إلى العربية من الفارسية، وتعني "موضع الطعام والشراب"، وأصل الكلمة "خرنكاه".

ثلاث روايات
ويردُ في التراث السردي ثلاث روايات لحكاية هذا الحصن؛ الأولى أن الملك النعمان "السائح" كلَّف "سنمار" ببناءه، فلم انتهى منه، صعدَ الملك على سطحِ الحصن، فـ "نظر إلى البحر تجاهه والبر خلفه، فرأى الحوت والضب والظبي والنخل فقال ما رأيت مثل هذا البناء قط. فقال له سنمار إني أعلم موضع آجرة (أي حجر) لو زالت لسقط القصر كله، فقال النعمان: أيعرفها أحد غيرك. قال لا"، ثم أمر به، فرميَ من فوق القصر، فخرَّ صريعاً كما يخبرنا "الحموي"[4].. وهذا يتناقض مع قواعد البناء المعماري وهندسته؛ لأن البناء يرتكز على بعضه البعض بأسس علمية، ولا يمكن هدمه إلا بتقويضِ أساسهِ، وبذلك تكون هذه الرواية مجردَ سردٍ "حكائي".
الرواية الثانية أن صاحب الخورنق والذي أمر ببنائه "بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف" وذلك أن يزدجرد كان لا يبقى له ولد (أي يموتون)، وكان قد لحق ابنه "بهرام جور" في صغره علة تشبه الاستسقاء، فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء والأسقام، ليبعث بهرام إليه خوفا عليه من العلة، فأشار عليه أطباؤه أن يخرجه من بلده إلى أرض العرب (العراق)"[5]، ويسقى "أبوال الإبل وألبانها فأنفذه إلى النعمان وأمره أن يبني له قصرا مثله على شكل بناء الخورنق فبناه له وأنزله إياه وعالجه حتى برأ من مرضه"[6].
وهنالك من يرى أن سنّمار بعد أن أكمل بناء القصر قال لـ "اللخميين – وفي رواية أخرى لنعمان بن المنذر –: لو علمت أنكم تؤتونني أجري لبنيت لكم بناء يدور مع الشمس، قالوا له: نراك تحسن، تبني أحسن من هذا وأجود ولم تبنه، فرموا به من فوقه إلى أسفل، فضربته العرب مثلاً".. وقد تكون هذه الأقرب إلى المنطق في الروايات الثلاث، لأن "سنّمار" بذلك يكون عوقبَ لأنه لم يقدم أفضل ما لديه، وثمةَ تأويل آخر؛ أنه قُتل.. كي لا يبني أفضل منه[7].
الرواية الثالثة أن "سنمار" نال جزاء ما صنعت يداه، إذ أنه استغرقَ وقتاً طويلاً في بناء "الخورنق"، عشرين عاماً، وقيل ستين، وقيل ثمانين عاماً، فكان يُماطلُ، وكما يذكر "الحموي" في معجمهِ: "كان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس سنين وأكثر من ذلك وأقل فيطلب فلا يوجد ثم يأتي فيحتج فلم يزل يفعل هذا الفعل ستين سنة حتى فرغ من بنائه"، وبذلك يكون قد قتلَ جراء هذه المدة الطويلة، بيدَ أن هنالك تناقضاً رئيسيًّا، إذ أن النعمان الذي أمر ببناء القصر عاشَ ثمانين عاماً، فكيف يستغرق البناء من "سنمار" كل هذا الوقت، ما يجعل هذه الرواية غير منطقية، وضعيفة[8].

أكثر من "سنمار"
وليسَ "سنمار" لدى العرب فقط؛ أكان الذي بنى "الأطم" لسيد الأوس، أو ذلك الذي بنى "الخورنق" في الحيرة، بل ثمة أكثر من "سنمار"؛ إذ أن "أسرار العُمارة" وردت في ثقافات أخرى، كما الفرعونية – علاوةً على وجودها في الثقافة العربية الأندلسية –، وينسحب الأمر أيضاً على الحضارتين البابلية – الأبراج المعلقة – والسومرية، إلى جانب عرب الأنباط وتدمريين.
ولكن ربما يكون الحديث عن هندسة معمارية لدى الشعوب وأسرارها بعيد نوعاً ما عن مضمون حكاية "قصر الخورنق" و"أطم أحيحة"، بيد أن الدكتور أليكسي جورافسكي يذكر في كتاب "الإسلام والمسيحية" – ترجمته ونشرته سلسلة عالم المعرفة عام 1996م – أن "ﺗﺮوﻓﻮﻧس" اﺑﻦ اﻹله أﺑﻮﻟﻠﺑﻮن) - في الأسطورة الإغريقية - اك ﻊ زوج أمه ﻓﻲ بناء معبد أبوللو ﻓﻲ دﻟﻔﻲ، وﺳﻮاه، ﻟﻜ زوج اﻷم غدر به وقتله فابتلعته اﻷرض.. وفي شروحات أخرى أن المعبد كان بهِ "غرفة سرية" فقتل "ابن أبوللو" كي لا يكتشف أمرها!.
وبذلك نكون أمام جذر مشترك في الفكرة العامة لقصة سنمار وإن تبدَّل "السرد" والأسماء والأماكن، إلا أن السؤال الذي يبقى: أيهما أخذ من الثاني؛ العرب أم الإغريق؟. 









[1] وأحيحة بضمّ الْهمزَة وبالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ: مصغّر الأحيحة وَهُوَ الغيظ وحزازة الغمّ. والجلاح بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَآخره حاء مُهْملَة وَهُوَ فِي اللُّغَة السَّيْل الجراف. (عبد القادر البغدادي، خزانة الأدب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ج 3، ص 358، ط 4، 1997م، مكتبة الخانجي – القاهرة)
[2] عبد القادر البغدادي، المصدر السابق، ج 3، ص – ص 358 - 359
[3] للمزيد: جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 5، ص – ص 198 - 203
[4] شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 401، ط 2، 1995م، دار صادر – بيروت.

[5] البغدادي، مصدر سابق، ج 1، ص 293
[6] الحموي، مصدر سابق، ج 2، ص – ص 402 – 403
[7] البغدادي، مصدر سابق، ج 1، ص – ص 293 – 294
[8] الحمودي، مصدر سابق، ج 2، ص 401

ظاهر العمر.. بين المشارط وقوالب التاريخ

محمد محمود البشتاوي

إضاءة:
وبلغ ظاهر أن دنكزلي فتح البوابات وقال لأهل عكا: نحن لا نحارب السلطان فمن شاء أن يخرج فليخرج. فأسرع الناس بالخروج خوفا على دمهم تاركين أموالهم وأرزاقهم وكذلك تجهز ظاهر وخرج بعياله صباحا قاصدا هونين فعرف أحد خدمه بذلك وأخبر عثمان فخاف هذا أن تكون هذه المرة نظير السابقة ويرجع أبوه إلى عكا سالمًا. فأرسل إلى الدنكزلي يقول له هو ذا أبي خارج بعياله هاربا من عكا فإن شئت أن تكون أول محبوب عند حسن باشا فاقضي أمر الله به لأنه خارج وحده بعياله فأتى الدنكزلي مع بعض المغاربة وحطوا في مكان قريب يقال له أبو إضاءة فلما صار ظاهر بحرمه بعيدا عن عكا نحو ربع ساعة ونظر في حريمه فلم يوجد محظيته (جارية شركسية كانت عنده) فسأل عنها فقالوا: له ما رأيناها خرجت معنا. فقال: إنه من العار في وقت مثل هذا أن يترك الإنسان عرضه, ثم عاد بجواده, فوجدها قادمة. وإذ بلغ إليها أراد أن يردفها وراءه على فرسه وأخذ بيدها لذلك وكان لشيخوخته قد ضعف فوقع من فرسه عليها إلى الأرض وكان الدنكزلي ينظر إليه من بعيد مع أحد المغاربة الذين معه فأسرع إليه وأطلق عليه طبنجة[1] أصابته. فأخذ ظاهر يختبط في دمه ويقول: "اللهم أحمدك عليها شهادة لعرضي". واستل حينئذن الدنكزلي سيفه وقطع رأسه ومضى به إلى حسن باشا وكان المذكور قد نزل بعسكره من المراكب ونزل عكا".
بتصريف عن "تاريخ الشيخ ظاهر العمر" لـ ميخائيل الصباغ
التاريخ حقلٌ متشابك.. والفصل فيه لا يتمُ بمشرط الجراح؛ أكان روائيًّا، أو مؤرخاً، أو باحثاً، أو كائناً من كان، بيدَ أن الظرف الراهن الذي جاء ضمن واقع التجزئة القُطرية "فتحَ البابَ على مصراعيه"، فكثرت "المشارط"، وأصبحَ هنالك من يُفصِّل القوالب ويعبءُ بها المادة التاريخية بما يلائمُ هواهُ.. و"كلٌّ يغني على ليلاهُ".
**
محطة فارقة في تاريخ بلاد الشام، تعود إلى منتصف القرن السادس عشر الميلادي، حينما كان ظاهر عمر الزيداني حاكماً على بقعة جغرافية تشابكت فيها المناطق، وتشعبت الأحداث، انطلاقاً من المركز الإقليمي لمسارها آنذاك في عكا، وامتداداً من الجليل الأعلى إلى جنوب لبنان، فسورية – حوران –، وليسَ انتهاءاً بحلقة الوصل بينَ صفد وإربد وعجلون.
المفارقة أن مشرط الصحفي "الإسرائيلي" يؤاف كارني أخذ بتمزيق الروايةَ كلها، وسردَ ما يخدم الرؤية الصهيونية؛ فـ "العُمر" أقام دولته "اللا – قومية" آنذاك على "أرض إسرائيل"، ولم يكن سوى "شيخ بدوي ينحدر من قبيلة عربية استوطنت الجليل".
يتسلل كارني إلى التاريخ، باعتبار أنه يمكتلك الحقيقة كاملة، فيقدم مسلمات حول تلك الحقبة التي وثقت فقط بـ "أقلام المؤرخين الإسرائيليين لا الفلسطينيين الذين كتبوا عن نهضة تلك الفترة عمرانيًّا، وازدهارها اقتصادياً"، معتمداً في ما ذهب إليه على ما جاء به المؤرخ الصهيوني "اتسحاق بن تسفي"، في كتابه "تاريخ أرض إسرائيل"، متجاهلاً المصادر العربية، ومنها على سبيل المثال: تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيداني حاكم عكا وبلاد صفد – إبراهيم الصباغ، الروض الزاهر في تاريخ ظاهر – عبود الصباغ، الظاهر عمر – توفيق معمر (الناصرة – مطبعة الحكيم، 1979)، ظاهر العمر وحكام جبل نابلس – إبراهيم الدنفي (مركز التوثيق والأبحاث – نابلس – جامعة النجاح)، علاوةً على عشرات الدراسات والأبحاث العربية.
التزوير الآخر في رؤية كارني – الصحفي والباحث في عدة صحف عبرية وأمريكية – أنه فسر انهيار "دولة الزيداني" لـ "افتقارها إلى الثورة الشعبية الطامحة إلى تحقيق استقلال سياسي".. وبطبيعة الحال تجاهل أن تلك الحقبة الزمنية سادت فيها حركات تحرر – أو انفصال عن الإمبراطورية العثمانية –، كما حدث قبل تمرد العمر مع المعنيين والشهابيين في لبنان، وانتفاضة الشيخ محمد نصار (من وجهاء طبرية) العام 1725م، وانتفاضة أهل البعنة العام 1721م التي عبرت عن رفض دفع "مال الميري"، وما نتج عن تلك الانتفاضة من بروز لنجم ظاهر العمر، مروراً بحركة محمد علي باشا واعتلاءه عرش مصر.. وليس انتهاءاً بانتفاضتي الشوبك والكرك في الأردن مطلع القرن التاسع عشر.
وفي عملية توليف وتكييف للتاريخ بما يلائم الأطروحات الصهيونية، خرجت دعوات – شارك بها كارني – للاحتفال بالذكرى الـ 250 لتأسيس "حيفا العربية" على يد ظاهر العمر!، في الوقت الذي يسعى فيه الاحتلال إلى تحويل مسجد ظاهر العمر إلى "كنيس"، بزعمِ أن هذا المسجد بني على أنقاضِ معبدٍ يهودي، فعلى ماذا بنت حيفا؟.
**
في السيرةِ الشعبية ثمة تفاصيلٌ كثيرة، بعضها شفهي، ما زال متداولٌ بينَ العامة، وقد ذكرت المغنية النصراوية نائلة لبِّس الباحثة في مجال الفولكلور الفلسطيني لكاتب هذه السطور بعض الأغاني التراثية الدارجة لغاية اليوم، وهي مقطوعات متوارثة من الزجل الشعبي، تستحضر فترة حكم الزيداني بنشوةٍ وافتخار، وقسم آخر من العتابا والميجنا المجبولة بالحزن، ترثي الحال الذي انتهت إليه الإمارة الزيداني بعد مقتل زعيمها في عكا على يد ربيبهُ وقائد جيشه أحمد الدنكزلي.
قسم آخر ثُبِّت في المدونات التاريخية، والمراجع، وبعض الآثار الدالة، منها ما هو في فلسطين، وبعضها الآخر موجود في الأردن، كقلعة تبنة ومسجد الزيداني، وحصون وأماكن بنيت خلال امتداد حكم آل زيدان.
وبعيداً عن المشارط والقوالب وما يتعلقُ بهما.. فإن تاريخ الزيداني، كثيراً ما اقتصر على الجزء الشمالي من فلسطين التاريخية – منطقة الجليل وساحلها-، فيما كان سواهُما مجردَ هامش في مجمل الأحداث.
قد يكون السبب في ذلك أن مصادر التاريخ أولت تلك المنطقة أهمية كبرى كونها كانت مركز الأحداث، وربما يعود الأمر إلى المسار الواعي في تسليط الضوء على الأرض المحتلة لمواجهة الدعاية الصهيونية، إلا أن الحكاية – في هكذا حال – ستكونُ مبتورةً، ومنقوصةً، إذ لا يصحُ استثناء إربد وعجلون من التاريخ، وقد شملهما الحكم الزيداني خلال الفترة (1759م – 1775م)، واتخذت بلدة "تبنة" كعاصمة في الإقليم، علاوةً على محاولات الزيداني مد نفوذهِ نحو جنوب لبنان، ودمشق، وتحالفاتهِ التي شملت مصر، وبعض الدول الغربية.
وفي هذا الصدد؛ أرى أن الجهود المبذولة لرصد هذه الفترة التي شهدت فيها الأحداث شمال الأردن، ما تزال محاولات لم تصل إلى تشكيل رواية كاملة للأحداث، مع الإشارة إلى كتاب "المسجد الزيداني في تبنة" لأحمد صدقي شقيرات.
في المرجع الأهم – في العصر الحديث بعيداً عن المخطوطات – جاء في كتاب "ظاهر العمر" لتوفيق معمر المحامي، أن أحمد ظاهر عمر الزيداني حينما تولى إقليم شمال الأردن ولَّى الشيخ يوسف الشريدة ليكون حاكماً على عجلون وإربد والكوره، فلما كان حكمهُ حازماً بخلاف من سبقهُ، قال الشاعر – المجهول – في الشريدة والزيداني:
عزِّك يا صفد وأحمد بتبنه
وعن "ضروب" الجهل يا بوي تبنا
أنا حسـبتك ذهب وتراك تبنه
خفيف وطيرك نسيم الهوا (ص 275).


وللإشارة فقط، فإن بعض الباحثين اعتبرَ الأبيات السابقة رثاء لعائلة الزيداني بعد أن سقط حكمها في عموم بلاد الشام.
وبحسب توفيق المعمر فقد نقل عن "محمد قاسم الخطيب" أن رجل من "فداوية" أحمد لكز امرأة في أحد أزقة تبنة، فصاحت في وجهه قائلةً: "أتريدون أن تحكموننا بالعفة أم بالحرام"؟، فعرضت قصتها على أحمد الظاهر، فدعا الرجل ووبخهُ على فعلته القبيحة، فزعم الرجل أن ما فعلهُ كان من دون قصدٍ منه، لأن الطريق ضيق. وبعد أن استوضحَ أحمد من رحابة الطريق وتبين لهُ كذب الرجل،  عراهُ من ثيابه وأركبهُ فرساً وقيد رجليه على بطنها بالحديد، وقال له: "سر على بركة الله. هذا جزاء من يتعرض لأعراض الناس".
ورغم القصة السابق، وغيرها مما ذكر في الأثر، فإن هنالك من يشير بسلبية إلى حكم أحمد الظاهر وتنسب إليه التسلط وقهر الرعية – لاسيما في عجلون –، لذا حين سقطَ حُكم الزيداني في عكا، ثار العجلونيين على أحمد الظاهر – الذي وجد تأييداً في لواء الكورة -، وطاردوه حتى قرية لوبية غربي طبريا.
يقول الباحث في التاريخ أحمد محمود الشريدة في محاضرةٍ له حول تلك الفترة، أن "الأسرة الزيدانية الكريمة" حينما بدأت حكمها في شمال الأردن العام 1769م أخذت في إقامة المباني العمرانية والأماكن الدفاعية والدينية، ونستدل على ذلك – والكلام للشريدة – من خلال أبيات شعرية كانت مكتوبة على البوابة الرئيسية لقلعة  تبنة الزيدانية، قال فيها الشاعر:
عزك يا صفد واحمد بتبنه   
            ويا مر على بروج الدير بتبنى
على إيدك يا شيخ اليوم تبنى
                  ويرعى الذيب والنعجة  سوى
ويشير الشريدة إلى أن حكم الزيدانية اتسم في شمال الأردن بالعدل والحق والمساواة  ومما يدل على ذلك وجود ميزان العدل منقوش على أحد أبواب عقود قلعة الزيداني.















[1] الطبنجة: كلمة تركية وتعني البندقية، ويقصد هنا رصاصة.