حكايات

الخميس، 27 نوفمبر 2014

البحث عن "سُنمار". تعددت الروايات والسردُ واحدُ



محمد محمود البشتاوي

إضاءة:
وَكَانَ الَّذِي بنى الخورنق رجلا يُقَال لَهُ سنمار فَلَمَّا فرغ من بنائِهِ عجبوا من حسنه وإتقان عمله. فَقَالَ لَو علمت أَنكُمْ توفوني أجرتي وتصنعون بِي مَا أستحقه لبنيته بِنَاء يَدُور مَعَ الشَّمْس حَيْثُمَا دارت. فَقَالُوا وَإنَّك لتبني مَا هُوَ أفضل مِنْهُ وَلم تبنه ثمَّ أَمر بِهِ فَطرح من رَأس الْجَوْسَقِ.
عبد القادر البغدادي
( خزانة الأدب)



تثير حكاية "جزاء سنّمار" الشهيرة جدلاً لمن أرادَ تتبع خيوطها في المُصنفات التاريخية، فإلى جانب أنها جاءت في قالب سردي محدد، وواضح بفكرته، ورسالته، يتضمن تنكُّراً لمن أحسن، ونسفا لمبدأ "الجنس من جزاء العمل"، فإنها – أي الحكاية – تحملُ تناقضاتٍ عدَّة، نتلمسها خلال عملية المقارنة بين راوٍ وآخر.

"أطم" أحيحة بن الحلاج
وأوَّل ما يثير الالتباس أن القصة تكررت عربيًّا في موضع آخر عند قلة قليلة من الإخباريين، عندما قام الشاعر والمرابي "أحيحة بن الجلاح[1]" سيد الأوس، وأحد دهاة الجاهلية، وغلاماً له، ببناء "أطم" – كما وردت ومعناها الحصن –، فلما بناه أشرف – أي انتهى – قال ابن الحلاج للغلام: "لقد بنيت حصناً حصيناً ما بنى مثله رجل من العرب أمنع منه، ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع وقع جميعاً. فقال غلامه: أنا أعرفه!. قال: فأرنيهِ يا بني!. قال: هو هذا! وصرف إليه رأسه؛ فلما رأى أحيحة أنه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات. وإنما قتله لئلا يعرف ذلك الحجر أحد" كما جاء في "خزانةِ الأدب" لعبد القادر البغدادي[2].
وإن كانت قصة سيد الأوس مع الغلام بهذا التجريد دون تفاصيل، مع إضافة بسيطة فيها شيء من التحوير لابن حبيب في مصنفهِ "المنمق في أخبار قريش"، إذ أضاف أن "سنّمار" من بنى "أطم" المستظل لابن الحلاج ثم استكمل الحكاية على نحو ما جاء لدى "البغدادي".

حصن الخورنق
وفيما كان "حصن المستظل" في "الجزيرة العربية"، فإن "قصر الخورنق" الذي بناهُ "سنمار" في أرض السواد.. جاء بتفصيلات كثيرة، تحمل في طيّاتها تضارب المُحتوى من حيث الآمر لبناء الحِصن، أهو الملك النعمان بن المنذر اللخمي، ملك الحيرة، والذي كثرت حوله الأخبار والحكايات، أم النعمان بن امرؤ القيس بن عمرو – الملقب بالسائح ويعرف بـ "الأعور"، أم الملك الفارسي بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف.
ويذكر الدكتور جواد علي في موسوعته أن أغلب المؤرخين قالُوا بأنَّ "الخورنق" بني في عهد النعمان "السائح"، وليس ابن المنذر، الذي قيل إنه سكن فيه، فاختلط الأمر على البعض بين "السائح" و"ابن المنذر"[3].
كما أن "سنمار" مختلفٌ عليه أيضاً؛ فهو "رومي" تارةً، و"آرامي"، وأحياناً "نبطي"، علاوةً على أن اللغويين اختلفوا بأمرهِ، فرغم أن الكلمة لها معانٍ بالعربية كـ "المضيء" و"اللص"! – وكلاهما نقيض الآخر –، فإن سيبويه نفى أن يكون الاسم عربيًّا، بل وثمة من أكد أنه اسم أعجميُّ جرى على لسان العرب. 
وثابتٌ في "معجم ما استعجم" لأبو عبيد البكري، وفي "معجم البلدان" للحموري، و"لسان العرب" لابن منظور أن "خورنق" هي كلمة معربة جاءت إلى العربية من الفارسية، وتعني "موضع الطعام والشراب"، وأصل الكلمة "خرنكاه".

ثلاث روايات
ويردُ في التراث السردي ثلاث روايات لحكاية هذا الحصن؛ الأولى أن الملك النعمان "السائح" كلَّف "سنمار" ببناءه، فلم انتهى منه، صعدَ الملك على سطحِ الحصن، فـ "نظر إلى البحر تجاهه والبر خلفه، فرأى الحوت والضب والظبي والنخل فقال ما رأيت مثل هذا البناء قط. فقال له سنمار إني أعلم موضع آجرة (أي حجر) لو زالت لسقط القصر كله، فقال النعمان: أيعرفها أحد غيرك. قال لا"، ثم أمر به، فرميَ من فوق القصر، فخرَّ صريعاً كما يخبرنا "الحموي"[4].. وهذا يتناقض مع قواعد البناء المعماري وهندسته؛ لأن البناء يرتكز على بعضه البعض بأسس علمية، ولا يمكن هدمه إلا بتقويضِ أساسهِ، وبذلك تكون هذه الرواية مجردَ سردٍ "حكائي".
الرواية الثانية أن صاحب الخورنق والذي أمر ببنائه "بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف" وذلك أن يزدجرد كان لا يبقى له ولد (أي يموتون)، وكان قد لحق ابنه "بهرام جور" في صغره علة تشبه الاستسقاء، فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء والأسقام، ليبعث بهرام إليه خوفا عليه من العلة، فأشار عليه أطباؤه أن يخرجه من بلده إلى أرض العرب (العراق)"[5]، ويسقى "أبوال الإبل وألبانها فأنفذه إلى النعمان وأمره أن يبني له قصرا مثله على شكل بناء الخورنق فبناه له وأنزله إياه وعالجه حتى برأ من مرضه"[6].
وهنالك من يرى أن سنّمار بعد أن أكمل بناء القصر قال لـ "اللخميين – وفي رواية أخرى لنعمان بن المنذر –: لو علمت أنكم تؤتونني أجري لبنيت لكم بناء يدور مع الشمس، قالوا له: نراك تحسن، تبني أحسن من هذا وأجود ولم تبنه، فرموا به من فوقه إلى أسفل، فضربته العرب مثلاً".. وقد تكون هذه الأقرب إلى المنطق في الروايات الثلاث، لأن "سنّمار" بذلك يكون عوقبَ لأنه لم يقدم أفضل ما لديه، وثمةَ تأويل آخر؛ أنه قُتل.. كي لا يبني أفضل منه[7].
الرواية الثالثة أن "سنمار" نال جزاء ما صنعت يداه، إذ أنه استغرقَ وقتاً طويلاً في بناء "الخورنق"، عشرين عاماً، وقيل ستين، وقيل ثمانين عاماً، فكان يُماطلُ، وكما يذكر "الحموي" في معجمهِ: "كان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس سنين وأكثر من ذلك وأقل فيطلب فلا يوجد ثم يأتي فيحتج فلم يزل يفعل هذا الفعل ستين سنة حتى فرغ من بنائه"، وبذلك يكون قد قتلَ جراء هذه المدة الطويلة، بيدَ أن هنالك تناقضاً رئيسيًّا، إذ أن النعمان الذي أمر ببناء القصر عاشَ ثمانين عاماً، فكيف يستغرق البناء من "سنمار" كل هذا الوقت، ما يجعل هذه الرواية غير منطقية، وضعيفة[8].

أكثر من "سنمار"
وليسَ "سنمار" لدى العرب فقط؛ أكان الذي بنى "الأطم" لسيد الأوس، أو ذلك الذي بنى "الخورنق" في الحيرة، بل ثمة أكثر من "سنمار"؛ إذ أن "أسرار العُمارة" وردت في ثقافات أخرى، كما الفرعونية – علاوةً على وجودها في الثقافة العربية الأندلسية –، وينسحب الأمر أيضاً على الحضارتين البابلية – الأبراج المعلقة – والسومرية، إلى جانب عرب الأنباط وتدمريين.
ولكن ربما يكون الحديث عن هندسة معمارية لدى الشعوب وأسرارها بعيد نوعاً ما عن مضمون حكاية "قصر الخورنق" و"أطم أحيحة"، بيد أن الدكتور أليكسي جورافسكي يذكر في كتاب "الإسلام والمسيحية" – ترجمته ونشرته سلسلة عالم المعرفة عام 1996م – أن "ﺗﺮوﻓﻮﻧس" اﺑﻦ اﻹله أﺑﻮﻟﻠﺑﻮن) - في الأسطورة الإغريقية - اك ﻊ زوج أمه ﻓﻲ بناء معبد أبوللو ﻓﻲ دﻟﻔﻲ، وﺳﻮاه، ﻟﻜ زوج اﻷم غدر به وقتله فابتلعته اﻷرض.. وفي شروحات أخرى أن المعبد كان بهِ "غرفة سرية" فقتل "ابن أبوللو" كي لا يكتشف أمرها!.
وبذلك نكون أمام جذر مشترك في الفكرة العامة لقصة سنمار وإن تبدَّل "السرد" والأسماء والأماكن، إلا أن السؤال الذي يبقى: أيهما أخذ من الثاني؛ العرب أم الإغريق؟. 









[1] وأحيحة بضمّ الْهمزَة وبالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ: مصغّر الأحيحة وَهُوَ الغيظ وحزازة الغمّ. والجلاح بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَآخره حاء مُهْملَة وَهُوَ فِي اللُّغَة السَّيْل الجراف. (عبد القادر البغدادي، خزانة الأدب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ج 3، ص 358، ط 4، 1997م، مكتبة الخانجي – القاهرة)
[2] عبد القادر البغدادي، المصدر السابق، ج 3، ص – ص 358 - 359
[3] للمزيد: جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 5، ص – ص 198 - 203
[4] شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 401، ط 2، 1995م، دار صادر – بيروت.

[5] البغدادي، مصدر سابق، ج 1، ص 293
[6] الحموي، مصدر سابق، ج 2، ص – ص 402 – 403
[7] البغدادي، مصدر سابق، ج 1، ص – ص 293 – 294
[8] الحمودي، مصدر سابق، ج 2، ص 401

0 التعليقات:

إرسال تعليق