حكايات

اللا معقول في سيرة "زرقاوات العرب"

كانت اليمامة من بنات لُقْمان. ابن عاد، وأن اسمها عّنْزٌ، وكانت هي زرقاء، وكانت الزَّبَّاء زَرْقَاء، وكانت البَسُوس زرقاء..

ملك الحضر؛ تاريخ ملتبس وبعد أسطوري

ورأى ملك الحضر "الضيزن" أن من الأصلح له أن ينضم إلى الرومان الذين كانوا قد توجهوا نحو الشرق، واستولوا على "ميديا"، وأن يهاجم الفرس. فهاجمهم وتغلب عليهم في معركة "شهر زور" كما تذكر الموارد العربية، وأسر بنتا من بنات ملك الفرس. وكان ذلك في حوالي السنة "232" للميلاد تقريبا.

هندسة الشتات الفلسطيني في "عودة الروح" لجاين فريري

ثمةَ عالمٌ غامضٌ يذوبُ أمامَ الواقعِ، ويذوي بعيداً بعد أن يتفسخَ، ليتجسدَ في حقيقةٍ لطالما كانت غائبة!.

ثالثهما الشيطان

لا أحدَ يعرفُ ماذا حدَثَ، إلا الثالثُ الذي يُمسكُ بيديهِ خيوط العقدةِ، وبإمكانهِ أن يُكمل الحكايةَ

الاثنين، 8 ديسمبر 2014

خريس: الكتابة بما هي مخلوق يحمل خصائص الأنثى

سميحة خريس في حوار مع مجلة الجوبة:
الكتابة بما هي مخلوق يحمل خصائص الأنثى

سميحة خريس (بترا)

المكان الواحد لا يمكن أن يكتب مرتين بنفس الطريقة وسيظل المكان العربي خفياً وملهماً

كلما غادر النص منصة الذكورة إلى آفاق الأنوثة الرحبة كلما علا فنياً وكان أجمل


محمد محمود البشتاوي – مجلة الجوبة – عمان
نحتت من عمانَ صورةً  في "دفاترِ الطوفان"، وذهبت في "القرمية" إلى تخومِ باديةِ الشامِ، مازجةً بين عاميتينِ؛ اللهجةِ البدويةِ الأردنيةِ، واللهجةِ العمانية المحكية، حيث ترى أن العامية لا تُشكلُ عائقاً أمام المتلقي العربي.
ولا تقتصرُ جمالياتُ نصها على الأمكنة التي تزخرُ بها رواياتها، وإنما ثمةَ لغة النص التي تمتازُ بالشاعرية عالية التكثيف، وفي هذا الصدد توضحُ ضيفتنا أن "الروايات الفقيرة من صنوف المعرفة الأخرى تموت سريعاً، ولا تترك أثراً. مجرد تجريب لا طائل تحته، والروايات التي تشيد عالماً من الفنون الأخرى والمعارف والعلوم هي التي يمكن التعويل عليها". 
أما الكتابة فهي "أنثى"؛ الجمال، والإغواء، والخصب، والتحليق، والتناسل، والفضول، والنبش وراء المستور، هي أنثى، في دفاتر الرجال والنساء. الحروف أنثى، وكلما اقترب النص من مغادرة منصة الذكورة إلى آفاق الأنوثة الرحبة كلما علا فنياً وصار أجمل".
ضيفتنا اليوم الصحافية والروائية سميحة خريس، مبدعة  “مع الأرض – مجموعة قصصية” و”أوركسترا – مجموعة قصصية”، ومن الروايات “رحلتي” و”المدّ” و”شجرة الفهود: تقاسيم الحياة” و”شجرة الفهود: تقاسيم العشق” و”القرمية” و”خشخاش” و”الصحن” و”دفاتر الطوفان” وأخيرا “الرقص مع الشيطان”.
"مجلة الجوبة" استهلت الحوار بالسؤال حول البدايات وما تمثله من عتبات تقودنا إلى التكوين الأول؛ الطفولة، الأمكنة، الشخوص، وما ترسب في الذاكرة من ملامح ووجوه؛ فهل لـ سميحة خريس أن تنيرَ لنا تلك الفترة؟.
بعد مرور الزمن على الإنسان ودخوله إلى عمر يتمكن عبره من قراءة حياته، تصبح البدايات وهمية، ربما نكتشف كم هي الأشياء مغايرة ومختلفة، ونشعر بالأسى على ضياع العمر، ولكن بالنسبة للكاتب يدرك أنه يختزن الكثير في حبره، في ضميره، وأن تلك التجارب نشطة ومهمة في حياته، كما في إبداعه، وأزعم أني عشت حياة غنية بكل معنى الكلمة، فمنذ الطفولة تنقلت بين البلاد وسافرت وعشت مع شعوب متنوعة وثقافات متعددة، وقابلت أناس على درجة من التأثير العام في الحياة، وبين صحراء وبحار وغابات وسهول، تشكلت طفولتي مدربة على فهم الأمكنة والإحساس بها، كما فهم البشر.
أنا بنت من مدينة صغيرة اسمها عمان، ولكن جذوري والجدات والعمات والأخوال يقيمون في قرى حيث الحياة تختلف، وحيث كان بإمكاني منذ عمر مبكر رصد تلك الاختلافات، ثم شاءت ظروف عائلتي أن أرتحل من الأردن إلى قطر ثم السودان ثم أبو ظبي؛ تلك أماكن أقمت بها سنوات من عمري عدا عن فرصتي الكبيرة في زيارة معظم الدول العربية وكثير من عواصم أوروبا وأمريكا، هناك كنز من الأسماء والأحداث، وأعتقد أن هذا الكنز تمت استعادته وتسخيره بصورة غير واعية في كتاباتي، وسأقوم بالكشف عنه في نص أشبه بالسيرة، ولكنها سيرة المدن التي عرفت وبها شذرات من سيرتي الشخصية.

هل يمكن اعتبار القصة القصيرة تمريناً كتابياً ممهداً لدخول عالم الرواية؟، سيما وأنك ابتدأتِ معها ثم هجرتها إلى غواية الرواية؟.
هذا الطرح يغضب كتاب القصة، كما أنه يحمل حكماً تقيمياً غير دقيق.
القصة فن قائم بذاته، والرواية أمر مختلف، ليست العبرة بالطول أو كم الكلمات، فالغرض الذي يؤديه كل نوع مختلف تماماً، ومما لا شك أن الرواية أغوتني، ولكن ذلك لا يعني أنه خيار بهجران القصة، ببساطة وجدت أن طريقتي بالكتابة ونفسي، تتألف مع الرواية، كما أني أكتظ بالحروف والحكايا إلى حد لا يمكنني فيه التعبير بواسطة القصة القصيرة، لا أكتفي بومضتها الساحرة، يظل لدي الكثير لأقوله، وهذا أمر لا يتحقق إلا بالرواية.

هل يمكن تحديد مفهوم دقيق للكتابة الروائية؟
من الصعب على الكاتب أن يحدد المفاهيم أو يتدخل في تصنيفات النقاد، عندما نكتب لا أعتقد أننا نكون معنيين بالقالب الذي سيقع النص فيه، وبالتسمية التي ستطلق على نوع الكتابة، ولكن لدي ككاتبة تصوري الخاص، لدي ثوب فضفاض يمكن اختراقه وتغيير شكله ونمطه، أحلم بأن أتجدد وأجدد في الكتابة الروائية على الدوام، ولا أصنع لنفسي قالباً يلزمني ويقيد خطاي، ما عدا أني مسكونة بثوابت لا أساوم حولها، اللغة السليمة الجميلة الأنيقة، المتعة التي يتركها النص في القارئ، كما أني لا أتصور نصاً روائياً دون حدث، دون حكاية، ما عدا ذلك فهذا الميدان يتسع للتجريب ..


هل ابتلعت الرواية كافة أشكال وأساليب السرد بحيث أصبحَ يُطلق على مقالات أدبية ونصوص نثرية "رواية"؟.
لا أظن أن الأمر وصل إلى هذا الحد، فما هو رواية بين، لا يمكن أن تسمى مقالة أدبية بالرواية ولا حتى النصوص النثرية، وأن كان البعض يلعب تلك اللعبة فيما يتعلق بالنصوص النثرية، وقد يجرؤ على وضع اسم رواية على غلاف نص نثري شعري، هذا الأمر لا يفزع أحداً ولا أظنه يلزم القارئ باعتبار ما يقرأه كرواية.
يمكن لأي قارئ بسيط أن يجري عملية فرز لتلك الادعاءات، وفي النهاية تستقيم الساحة بكتابها، والزمن كفيل باسقاط ما هو ادعاء ووهم.

ألا يمكن أن يكون توظيف العامية في النص الروائي عائقاً أمام المتلقي العربي؟، أم أن وراءَ العامية ما تعجز عنه الفصحى؟.
لم أتصور يوماً أن العامية تمثل عائق أمام القارئ العربي، في الماضي قرأت رواية لروائي تونسي يدعى البشير خريف، اسمها "الدقلة في عراجينها"! أنظر إلى العنوان كم يبدو غريباً. الرواية كانت تحفل بحوار عامي صعب ومعقد باللهجة التونسية التي بالكاد كنت قد سمعتها، ولكني تمتعت، وفهمت، وشعرت أني ألمس تونس المكان والإنسان، نفس ذلك ينطبق على روايات الطيب صالح، البعض يعتقد أن العامية الوحيدة المرشحة للفهم اللهجة المصرية نظراً لأن آذاننا ممرنة على سماعها عبر الأعمال السينمائية، قد يكون هذا صحيح بمقدار، نحن نفهمها أسرع، ولكن هذا لا يعني أن كل ما عداها لا مكان له.
أستخدم العامية في الحوار؛ إذ لا أكتب السرد أو النص إلا بالفصحى، بينما الحوار يأتي شبيهاً بالشخصية وقادراً على نقل صوتها وروحها، وفي هذا المجال تكون العامية أقدر وأصدق في تقريب الصورة، ومن تجربتي، فإن روايتي القرمية وهي بلهجة أهل البادية الأردنية، ورواية دفاتر الطوفان، وهي باللهجة العمانية المدنية، أعيد طبعهما في القاهرة، ووصلت للمتلقي من عامة ومثقفين وأدباء ونقاد بنجاح، فلم يحدث أن وقفت اللهجة عقبة، كما ألفت النظر أن كل لهجة عربية تخف حدة نطق الكلمات بها عندما تكتب وتقترب أكثر من الفصحى، هذا شديد الوضوح في اللهجة الأردنية،  كما أن أي تعبير عامي له تاريخه في الفصحى.

تفيضُ لغتكِ الروائية بشاعرية عالية؛ فهل هذا يؤشرُ على انزياح نحو الشعر؟. أم أن الروايةَ وعاء حاوٍ للأجناس الأدبية الأخرى؟.
بيني وبين الشعر مسافات، حاولت أن أكتبه وأنا صغيرة وفشلت، ولكن الشاعرية أمر مختلف، في الواقع أنا لا أجنح لها إلا عندما يستدعيها الموقف، عادة ما تكون الكلمات نابضة في النص، عندما يكون الفضاء مهيئاً للشاعرية فإن الكتابة تنزاح لها، وعندما يستلزم الأمر التكثيف وقص أجنحة الكلمات أو تجميدها وتحنيطها، فإني أفعل دون وجل، النص يختار كلماته، وهذا أمر مختلف عن فكرة أن الرواية وعاء الأجناس، وتلك حقيقة، ربما على الروائيين أن يعوها بقوة، لأن الرواية التي تسير موازية للحياة الواقعية لابد ستحفل بكل ما في الحياة من سمات، وهنا ما الذي يمنع أن تزخر الرواية بكل هذا الثراء؟؟. بل إن الروايات الفقيرة من صنوف المعرفة الاخرى تموت سريعاً، ولا تترك أثراً، مجرد تجريب لا طائل تحته، والروايات التي تشيد عالماً من الفنون الاخرى والمعارف والعلوم هي التي يمكن التعويل عليها.  

ألا يمكن أن يكون التوظيف المستمر للمكان وجمالياتهِ تكريساً للتقليدية في الرواية؛ فكيفَ تنظر سميحة خريس إلى هذا الرأي، سيما وأنك أحد من وظَّف المكان في أعماله؟.
لا يمكن أن يطالبني أحد أن أبدأ من النقطة التي انتهى فيها باولو كويلو مثلاً، وأن أترك المكان خوفاً من تكريس التقليدية. يمكن للتقليدية أن تكرس عبر اللغة العادية أو الحدث النمطي أو الشكل السائد، أما المكان وجمالياته فهذا يوظف بصور شتى وفقاً لبراعة الكاتب؛ فالمكان الواحد لا يمكن أن يكتب مرتين بنفس الطريقة، وسيظل المكان العربي خفياً وملهماً، بالنسبة لنا لم نوف مكاننا حقه من البحث والدراسة والفهم، كما يجب أن نلاحظ أن المكان الذي نعرفه اليوم هو غيره بعد سنوات، فكيف سنستقبل روايات الجيل القادم عن نفس المكان، إننا نرصد تغييرات الحياة في المكان وهذا دور خطير تقوم به الرواية العربية، وعلينا عدم التخلي عنه من أجل مثل تلك المقترحات النقدية النظرية الساذجة.

يذهب منتجك الروائي "دفاتر الطوفان" ومنجز هاشم غرايبة "الشهبندر" في مسارٍ موازٍ نحو فضاء مشترك؛ فهل ثمةَ تقارب بينكما؟، أم أن العملية مجردَ تلاقٍ حول تناول المكان الأردني؟.
في راية دفاتر الطوفان والشهبندر قمنا أنا والكاتب هاشم غرايبة بتجربة طريفة، بنينا نصوصنا على دفتر لدكان قديم، وراح كل منا يرسم عمان كما يراها، في الاصل أردنا كتابة رواية واحدة نسميها دفاتر عمان، ولكن في مرحلة الكتابة بدأ كل واحد يخلق أشخاصه، وأحداثه وصار النصين في مسارين متباينين، مما جعلنا نقرر فصل التجربة، ويكتب كل واحد روايته على حده، فكانت روايتين عن عمان..

كيف تقييمين تجربتك مع الترجمة التي حظيت بها روايتك "دفاتر الطوفان"؟
عندما اختيرت الرواية لتترجم الى الاسبانية كنت سعيدة، في الواقع شعرت بأهمية السؤال الذي طرحه المترجم بابلو سوريس، إذ كان يبحث عن الأندلس في عمان، ورغم إدراكي أنه لن يجدها، إلا أني كنت متحمسة لعثوره على عمان، وبالطبع كان للترجمة دورها في تقديمي للقارئ الإسباني، إذ تدرس الرواية في جامعة أونوما في مدريد، ومؤخراً ترجمت إلى الألمانية، وقد تطرح في الاسواق خلال أشهر، المهم في تلك التجربة أن الترجمة مبنية على تقدير الآخرين لنص عربي، ليس ضمن الشروط المجحفة والمعروفة للترجمة، كأن يكون الموضوع سباباً في الحضارة العربية الاسلامية أو عويلاً في قضايا المرأة، ولكنه الحماس للموضوع الإنساني والإبداع الأدبي، وهذا وحده يكفيني.

تثير ثنائية "الرواية والتاريخ" التباساً لدى القارئ، والكاتب الذي يقع في جُب "التأريخ"، وحتى الناقد؛ وعليه كيفَ يمكن الفصل بين عملية التأريخ وما تعنيه من تدوين، وبين توظيف المادة التاريخية في الرواية؟. ومن جانبٍ آخر لماذا لا يحيل الكاتب المتلقي إلى مصادر معلوماته (المستقاة من التاريخ)؟.
هناك من يكتب تاريخاً وهناك من يعيد قراءة التاريخ، وكلاهما مختلف، ليس على الروائي أن يكتب تاريخاً، إنه لا ينقل معلومات الجبرتي ويعيد كتابة الخط فقط، بل أنه يقدم قراءة مختلفة وتصوراً جديداً وفهماً قد لا يكون هو الحقيقة نفسها، وقد يصادف أن يصير أكثر سطوة وجماهيرية وانتشاراً من الحقيقة.
الكاتب الذي يجمع قصص التاريخ ليعيد سردها ليس أكثر من حكواتي، الكاتب الذي يعجن تلك العجينة الغامضة ويعيد تشكيلها كما أراد وبهدف إصدار فتوى جديدة على حدث قديم يكتب رواية، وهذا أمر مختلف طبعاً عن الدراسات التاريخية الأكاديمية التي تجمع وتصنف وتفسر وفق توجه الباحث وانتماءه ومصلحته، أو حتى فهمه وادراكه للوقائع، لأن العمل الأدبي يقوم على الفن، ويستخدم التاريخ، في الرواية لا يحبذ الكاتب أن يجري فصلاً بين الواقع والمتخيل، بل أنه يهدف لايهام القارئ أن الحقيقة الكاملة لديه فقط، مثلاً أقوم باستخدام أحداث حقيقية وأشخاص بأسمائهم، إلى جانب شخوصي المتخيلين، وقد وصفت هذه العملية كأنها عملية نقل دم بين جسدين، في النهاية يختلط الأمر، وتصير الرواية هي الكتاب المرجع.
هناك كتاب يقومون بذكر المراجع، ولا أعتقد أن هذا مهم إلا عند الاستعانة المباشرة بنص أو موضوع، عندها قد يقتضي الأمر، ولكن العمل على النص التاريخي يغير الحبكة ولا تعود ملكاً فكرياً خالصاً لكتاب التاريخ.
في رواية لي أوردت عبارة على لسان رحالة أوروبي، بنصها، فكان أن غضب المترجم لأني لم أذكره وعد تلك سرقة، وهذا أضحكني، لأني لم أخفي قائل العبارة وأشرت له باسمه، ولكن أن أعود إلى المرجع سيبدو هذا بحثاً ثقيلاً وليس عملاً فنياً، فنحن حين نقول قال شكسبير ونورد قصيدته بالعربية نعي أنه لم يكتبها هكذا، وأن هناك من ترجمها، وأن هناك كتاب نشرت فيه، ولكن الإشارة المباشرة إلى ذلك تتم في إطار البحث والدراسة لا في إطار الرواية.
مؤتمر الرواية العربية الذي نظمته "أمانة عمان الكبرى" به آراء ذهبت نحو التعميم، وابتعدت عن التخصيص بتناول تجارب محددة، ومثال ذلك أن الروائي والناقد السوري نبيل سليمان قال – في ورقةٍ له – إن "الرواية الأردنية خلت من رسم فسيفساء الحياة الاجتماعية"، والسؤال: ما هو المطلوب لتجاوز التعميم؟.
كنت حاضرة في ذلك المؤتمر، وأوافقك أن النقاد يذهبون إلى التعميم، يبدو ذلك أسهل ويبتعد بهم عن المناوشات النقدية، ولكن فيما يخص الناقد السوري نبيل سليمان، لقد قال ذلك الرأي، وعندما فتح النقاش، قلت له إن هذا تعميم غير واقعي، وذكرته بما كتبه على غلاف رواياتي "دفاتر الطوفان"، كتب بالحرف الواحد، "من كتب هذه الفسيفساء الأردنية؟؟" وقد اعتذر بلطفه المعروف وكان شجاعاً في التراجع عن التعيميم الذي أطلقه..
أما أن أقول ما علينا أن نفعل لتجاوز التعيمات فهذا أمر صعب، نحن نحتاح إلى منابر للحوار يجد فيها الناقد نفسه مضطر للاطلاع على اختلاف التجارب وتباينها ويعد أنفاسه قبل أن يبني حكماً سريعاً نتج عن قراءة عمل واحد مثلاً .. ربما نحتاج من النقاد إلى مزيد من بذل الجهد في سبيل الوصول إلى أحكامهم.
ما رأيكِ بما يكتب حول الرواية الأردنية على المستويين المحلي والعربي؟ وهل يمكن اعتبار الجوائز التي حظيت بها بعض الأعمال الروائية الأردنية مؤشراً على فنيتها وتطورها؟.
أنا متفائلة بما يكتب في الرواية في الأردن، أعرف أن هناك سيل جارف، ولكن هذا لا يمنع تميز بعض التجارب، وقد التفت العرب إلى مستوى الرواية الأردنية، وصدقني أن المنافسة شرسة وعاتية في الساحة العربية، ولولا التميز لما برز الكاتب الأردني، قد يعتري الساحة المحلية ضعف في الكتابة حول بعض التجارب لأسباب شخصية شللية أو مصالية أو أي عامل يخطر بالبال، ولكن أغلب هذه الأسباب تتراجع عندما يخرج الكاتب الأردني خارج الحدود، ولا يمكن أن أقول أن زمار الحي لا يطرب، التجارب الناجحة في الداخل تلاقي ترحيباً في الخارج.
أما مسالة الجوائز فهدذه مختلفة بين جائزة وأخرى؛ هناك جوائز عربية اكتسبت مصداقيتها من لجان تحكيم على سوية عالية، وقد كنت في التجربة حين نلت جائزة "أبو القاسم الشابي" من تونس، وجائزة الابداع العربي من مؤسسة الفكر العربي، لقد عرضت أعمالي على نقاد لم التقيهم، ولا تربطني بهم معرفة مسبقة، هؤلاء اعتقدوا أنهم أمام نص يستحق فمنحوه الجائزة، لهذا أفتخر كثيراً بحكمهم ويسعدني أن أمثل الأدب العربي الأردني في كل محفل، وأعرف أن هناك تجارب تسيء إلى الرواية الاردنية وتحظى ببعض الاشادة، ولكن صدقني النص الذي لا يصمد للنقد والانتشار، يُسقط معه الجائزة، لهذا تحرص كل جائزة محترمة على مصداقيتها.

ما رأيك بما يسمى "الأدب النسوي"؟، وهل ثمة تمايز داخل الأدب يتشكل وفقاً للنوع الاجتماعي (الجندر)؟.
هذا الجانب كثر فيه الحديث وتشعب، وفهم بمفاهيم كثيرة مغلوطة، ربط البعض التعبير "الأدب النسوي" بما تكتبه المرأة، هذا يسمي الادب النسائي، أما النسوي فهو أمر مختلف، هناك طروح نقدية على درجة عالية من الجدية لا تحتمل كل هذا التخبط الذي نقع فيه وننبري ما بين مدافع ومنكر ومتهم، النسوي يعالج قضايا المرأة، هذا ببساطة قد يكون بقلم رجل، كثير من الكتاب الذكور يكتبون "الأدب النسوي"، ويتبنون طروحات "الجندر" التي تسعى لتغيير النظرة الاجتماعية والفكرية إلى الكائن المسمى امرأة.
هذا جانب من النضال الاجتماعي يطال كل أوجه الحياة بما فيها الأدب، وتتشارك فيه النساء والرجال الذين يقودون مسيرات التنوير، بينما هناك نساء ما زلن يكتبن بالتصورات الذكورية بعيدات عن النسوية.
هذا فيما يخص النقد والنقاد والمصطلح الذي أرعب الرجال من الكتاب وأثار حفيظة النساء وارتباكهن، أما إذا سألتني اقتراحاتي الخاصة على مسألة الكتابة، فإني أعتقد أن الكتابة أنثى. الكتابة بما هي مخلوق يحمل خصائص الأنثى، الجمال، والإغواء والخصب والتحليق والتناسل، والفضول، والنبش وراء المستور، هي أنثى، في دفاتر الرجال والنساء، الحروف أنثى، وكلما اقترب النص من مغادرة منصة الذكورة إلى أفاق الأنوثة الرحبة كلما علا فنياً وصار أجمل.






فركوح: القصة القصيرة ليست جسر عبور نحو الرواية

فركوح في حوارٍ مع مجلة الجوبة:
القصة القصيرة ليست جسر عبور نحو الرواية
 
إلياس فركوح.. فتنة السرد

عنوان كتاباتي، مثلما هي كتاباتي نفسها، تنسجمُ مع هُويتي التي أعتقد بأنها مغايرة لغيري من الكُتّاب

اللغةُ كائنٌ محسوس حين أخوضُ فيه كاتباً نابذاً لمألوف المفردات في سياقات جُمَلها وتركيباتها

حاوره في عمان: محمد محمود البشتاوي - مجلة الجوبة
يَكســر إلياس فركوح، القاص والروائي الأردني، حاجز المتوقع، ليذهب بنا نحوَ عوالم تجربتهِ الغنية بتفاصيل تتصل بواقعهِ الفائض بالأمكنة والأحداث، بدءاً من الحروف الأولى، وطقوس ولادتهِ مبدعا دشنَ سماء السرد العربية برواياتٍ وقصصٍ، تميزت بمضمونٍ إبداعيٍّ يُطلق في هذا السائد الدهشةَ ومتعةَ القراءةِ.
فركوح الموزع بين القصة القصيرة، والرواية، والنص المفتوح، والشهادة، والنشر، المتوازن في معالجته للواقع بين العام والخاص، والحائز على جائزة البوكر العربية عن روايته "أرض الليمبوس"، يرى أن الرواية العربية لم تشكل إلى الآن "هُويةً خاصّة؛ اللهم سوى لغتها العربيّة، ومناخاتها الاجتماعيّة"، ويتساءل في معرض إجابته "هل من اللازم أن يكون للرواية العربيّة هُويةً مخصوصةً في زمن التلاقح والتداخل المعرفيين والثقافيين وما ينتج عنهما من مشترَكات تدخل في الِبنى المكوّنة للأشكال الأدبيّة؟!".
"مجلة الجوبة" التقت المبدع إلياس فركوح، المولود في عمان سنة النكبة من عام 1948م، والمتنقل في تعليمهِ بين ربوةِ عمون والقدس، والذي أنهى تعليمه بالحصولِ على بكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس ، من جامعة بيروت العربية، حيث أستهل الحوار معه بسؤالهِ عن الحروف الأولى، أولى الكلمات، وكيف كانت طقوس ولادتهَ مبدعاً، فأجاب: 
أذكرُ أنَّ حروفي الأولى كانت مجرد خربشات بلا غاية تسعى وراء معنىً ما. مجرد استجابة لقلق المراهقة. المراهقة مرحلة تجتاح أعمارنا جميعاً تتمثّل بعاصفة من الأسئلة الكبرى نتوهم أنَّ بمقدورنا الإجابة عنها! أسئلة من نوع: لماذا نحن، وإلى أين، وماذا بعد؟ إلخ. ولم أكن لأنجو من هذا، فأنا إبنٌ طبيعي وشَرعي لتلك المرحلة، مثلما أنا إبنٌ شَرعي وطبيعي للبيئة الاجتماعيّة وظروفها الحياتيّة آنذاك، وبالتالي كانت أسئلتي تهبطُ، مع مرور الوقت، من عليائها الفلسفي الوجودي الأكبر من قدراتي، لتكون أقرب إلى أسئلة الواقع الذي اتخذ لنفسه ملمحاً سياسياً أساسياً.
لم تكن أسئلة العيش، بمعنى صعوبتها بسبب الفقر أو اضطهاد البيئة من حولي، هي أسئلتي – خلافاً للعديد من كُتّاب جيلي-؛ إذ كانت عائلتي ميسورة الحال بالقياس إلى معايير تلك الفترة. ربما كنّا نقع في الوسط داخل ما يُسمّى (الطبقة) الوسطى، مما وفّرَ لي ولبقية أخوتي تعليماً في المدارس الخاصّة (وهذا شكّلَ امتيازاً)، وخيارات أوسع في ما بعد.
أما عن المكان، مكان الطفولة، فلا تخرج ذاكرتي بغير صوّر الأحياء التجاريّة الشعبيّة في وسط عمّان حيث كُنّا نسكن، اسوة بغالبيّة الناس في ذلك الزمن؛ فلقد اختلطت المِهَن بحوانيت التجارة بالمراكز الحكوميّة بالأسواق الشعبيّة بكافة مستويات أهلها بالمساكن العائليّة. لم تكن المدينة خاضعة للتنظيم الحديث الذي نعيشه الآن، والذي يخصص مجالاً للسكن وآخر للخدمات بحيث باتَ من الصعب الخلط بينهما؛ فهذا حيٌ سَكَني، وتلك منطقة تجاريّة، وهذه خاصة بالصناعات الصغيرة والحِرَف بعيداً عن التماس السلبي بالمناطق والأحياء الأخرى.
يبقى أن أقول بأنَّ محاولتي الجادة التي تمتعت بقدرٍ ما من النضج تمثلت بكتابة قصة قصيرة عن شخصيّة مأزومة بسبب نكسة حزيران 1967 في السنة نفسها، ويمكن الرجوع إلى تلك الفترة في غير حوار تضمنه كتاب "لعبة السرد الخادعة: حوارات مع إلياس فركوح" الذي حرره وكتب مقدمته الذكيّة الصديق جعفر العقيلي، وكذلك في كتابي "أشهدُ عليِّ، أشهدُ علينا".


ماذا تقول في صناعة العناوين التي تتقن؟ فما أن تنحت عنواناً جديداً في فضاء الإبداع حتّى تصعق الذهن بما هو مدهش ومغاير عمّا هو سائد؟
لكّل عنوان حالته الخاصّة، وعادةً ما يجيء مولوداً من صُلب المتن الروائي، أو حاملاً للمناخ العام المشتمل لنصوص مجموعة قصصيّة. في الغالب تتسمّى مجموعة قصصيّة باسم إحداها، وأحياناً أجترحُ عنواناً آخر لعدم عثوري على ما يلفت في أسماء القصص في الداخل؛ كما فعلتُ في مجموعة "الملائكة في العراء"، و"حقول الظِلال"، و"شتاءات تحت السقف"، و"ميراث الأخير".
يشكّل العنوان، في نظري وكما اصطلح النُقّاد، العَتَبَة الأُولى التي تُفضي بالقارئ إلى داخل النصّ. لا يكفي أن يتحلّى بالمعنى الشمولي، مثلما لا يجوز الاكتفاء بجماليته وتضمنه لشحنة من الإيحاءات لحالات ليست متوفرة في الداخل. العنوان خطير! ينبغي على الكاتب أن يأخذ بالاعتبار، وفي المقام الأول، ذكاء القارئ، إضافةً إلى تحليه بغَرَابةٍ ما تبعث على التساؤل وتفضي إلى أكثر من استنتاج. يشكّلُ العنوان، في ذاته، وبحسبي، نَصَّاً مكتملاً بمعنىً ما. ولهذا؛ فإنه يتطلبُ خبرةً وحساسيّةً وتوازناً واحتراساً؛ إذ هنالك عدداً من المستويات في الوعي الأدبي والدرجات في الذائقة الفنيّة بعدد القُرّاء المفتَرَضين، يجب أخذهم بالحسبان.
أما عن المغايرة؛ فأرجو أن يكون ذلك صحيحاً. فأنا لستُ سواي حتماً. وعنوان كتاباتي، مثلما هي كتاباتي نفسها، تنسجمُ مع هُويتي التي أعتقد بأنها مغايرة لغيري من الكُتّاب.
هل تحولت الرواية إلى ديوان العرب؟ وهل هنالك هوية للرواية العربيّة؟.
أشرتُ في غير موضعٍ إلى أنَّ الرواية باتت، لدى فئات واسعة من القُرّاء والمثقفين والكُتّاب ودارسي علم الاجتماع، وبمعنىً معيّن، إلى مُدّوَّنة حديثة لمجريات الحياة العربيّة تسجِّل الأحداث من زوايا جديدة ليست هي الموافقة الكُليّة، وليست المعترضة كُُليّاً، وليست هي الحاذفة للبشاعات والتشوهات، أو تلك المضفيّة عليها أفضالاً وجماليات مزعومة. الرواية، ولأنها (بانوراما ذاتيّة) تتشكَّل وفقاً لرؤيا ذات كاتبها/ كاتبتها؛ فإنها التدوين الأدبي المتحلّي بفنيات الكتابة ذات التجنيس لعلاقة التفاعل - الكاملة أو الناقصة المضروبة – لإنسانٍ عربيٍ بعينه لتاريخٍ ومجتمع معيشان كان لا بُدَّ من تسجيله وتوثيقه.
كان الشِعرُ تاريخنا العربي، في جزء كبير منه، أو تاريخ حياتنا العربيّة، موزوناً مُقفّى، ولكن بحسب أنساق وموضوعات ذاك العصر: راثياً، ومادحاً، وهاجياً، وباكياً على الأطلال. وبحسب منظور ذاك العصر أيضاً (هي عصور على أي حال) كان تاريخاً يتصفُ بالمبالغة غالباً، وبالتزوير والتحريف أيضاً. حتّى الحُبّ؛ كان حُبّاً مبالِغاً في عِفته المزعومة، طامساً لحقيقة الاشتهاء الحِسّي وطاقته الدافعة للشاعر لأن يُلقي على الملأ ظاهرَ الحالة باحتشام، ولنفسه الباطنيّة يهمس بالاحتراق اللاسع!
لذلك؛ أقول بأنَّ الرواية هي التدوين (وأشدد على أنها تدوين، بمعنى أنها كتابة وليست شيئاً آخر، صوتاً كالشعر مثلاً) يصيرُ من خلالها إيصال وجهة نظر صاحبها، أو مجموع أسئلته، لآخرَ مجهول لكنه مُفْتَرَض، ليس مرئيّاً ومباشراً بحيث تَحولُ الأُلفةُ المفقودة دون الصراحة في التصريح. كما أنها كتابة تتطلبُ في الجانب الثاني منها، أي القراءة، درجةً من التخصص والتعمُّق والذائقة وخبرةً في النوع الكتابي من دونها جميعاً تبطل فاعليّة العمليتين: الإرسال والاستقبال!
من خلال الرواية، كما الحال مع صنوف الآداب المكتوبة الأخرى، تتحاور الكائنات البشريّة/ الاجتماعيّة تحاوراً عن بُعْد! لكنه التحاور الحميم، والصادق، وغير المسدود بأي حواجز يخلقها واقع ووقائع ما هو خارج النَصّ. فعلى أرض الكتابة نمتلكُ قدراً كبيراً من حُريّة التعبير عن أسرار أسرارنا، وعليها أيضاً نمتلك ذاك القدر من حُريّة المشاركة والتأويل على نحوٍ ليس له مثيل على أرضٍ أخرى على الإطلاق!
إذا صادقتُ على المأثور القائل بأنَّ الشاعر العربي القديم كان ينطق بلسان الجماعة؛ إذ هو ناطقها الإعلامي، أو ضميرها الجمعي!؛ فإنَّ الروائي العربي لا ينطق بغير لسانه هو. لم يعُد الفنان/ الكاتب بمعناه الحقيقي في زماننا يتماهى مع الجماعة وينوب عنها في قول ما تريد. باتت مكانة الفرد، داخل الفرد، هي محل التقدير والاحترام والأخذ بالاعتبار، وليس العكس.
بتواضع: لم أجد حتّى الآن هُويةً خاصّة للرواية العربيّة؛ اللهم سوى لغتها العربيّة، ومناخاتها الاجتماعيّة. أما أن نذهب أبعد ونزعم بوجود هُوية مفارقة تقف بلونها المختلف إلى جوار رواية أميركا اللاتينيّة مثلاً (وهذا بحاجة لتدقيق أكبر، إذ ليس هنالك "ماركة" واحدة تجمع الروايات الطالعة من هناك؛ اللهم سوى مرجعيتها القاريّة)؛ فإننا نكون تقفز عن الحقائق. ثم؛ هل من اللازم أن يكون للرواية العربيّة هُويةً مخصوصةً في زمن التلاقح والتداخل المعرفيين والثقافيين وما ينتج عنهما من مشترَكات تدخل في الِبنى المكوّنة للأشكال الأدبيّة؟!

يُقال إن القصة القصيرة هي تمرينٌ كتابي للدخول إلى عالم الرواية. إلياس القاصّ والروائي، كيف ينظر إلى هذه المقولة؟
قد يكون الأمر على هذا النحو لدى بعض كُتّاب القصة القصيرة الذين انتقلوا منها إلى كتابة الرواية. غير أنَّ هذا لا ينطبق، بالضرورة، على كُتّابٍ آخرين زاوجوا في نتاجاتهم وجمعوا بين القصة والرواية، ويمكن بسهولة ضرب الأمثلة على ذلك: ماذا عن أرنست همنغواي، ونجيب محفوظ، وإيتالو كالفينو، ويوسف إدريس، وغونتر غراس، وغابرييل غارسيا ماركيز، ومحمد خضيِّر، وجنكيز إيتماتوف، وهرمان هيسه، وتوماس مان، وترومان كابوت وأنيتا ديساي، إلخ؟ ماذا عن عدد من هؤلاء وآخرين كتبوا الروايةً أولاً (كنجيب محفوظ، وغونتر غراس، مثلاً) وانتقلوا بعدها للقصة ليعودوا للرواية، وهكذا؟
ما أريد الوصول إليه، هو أنَّ لجوء الكاتب إلى جنسين كِتابيين سرديين، وبحسب تجربتي الشخصيّة، ككاتب وقارئ، لا يكون إلاّ وفقاً لسياق التجربة الحياتيّة والخبرات المتحصلّة له نتيجةً لذلك. أما إرسال القَول على عواهنه كأنما هو قاعدة ذهبيّة؛ ففي ذلك مجافاة للوقائع الموجودة فعلاً داخل التاريخ الأدبي والسِيَر الذاتيّة للكتّاب، إضافةً إلى الاكتفاء الفقير بالشائع من دون تمحيص أو تدقيق، والذي يقارب الإشاعة في خاصيّة الجَهْل.لأننا، وببساطة، ماذا سيكون جوابنا عن السؤال معكوساً: هل الرواية تمرين للدخول إلى القصة القصيرة؟ وأنا هنا أشير إلى أعلامٍ في الرواية كتبوا القصةَ فيما بعد.
باختصار: القصة القصيرة ليست جسر عبور نحو الرواية. ليست شأناً سهلاً بالمقارنة مع الرواية ليجوز اعتبارها "تسخيناً واستعداداً" لدخول المعترك الأصعب! لكّل جنس كِتابي صعوبته وحساسيته ومآزقه، مثلما له جمالياته وسلاسته ومخرجاته الخاصة. كما أنَّ لكّل كاتبٍ حالاته التي تُملي عليه الكتابةَ في جنسٍ معيّن، مثلما أنَّ لكّل حالةٍ جنسها الذي تتطلبه دون سِواه. 

ماذا تعني لك جائزة البوكر العربيّة بعد أن كنتَ ضمن القائمة القصيرة عن رواية "أرض اليمبوس" في دورتها الأولى؟ وماذا يعني لك اختيار رواية "قامات الزبد" ضمن أفضل 100 رواية عربية؟
شأني في ذلك شأن جميع الكُتّاب الذين تصيبهم الفَرْحَةُ عند حدوث أمر كهذا. الفرحة والاندهاش في الوقت نفسه. يفرحون عندما يصير لأعمالهم أن تنال التقدير والتنويه النقدي الإيجابي، إضافةً إلى الإحساس بالرضا كون جهدهم الموصول على امتداد عقود لم يكن غِناءً فردياً ومتوحداً بين جدران عازلة في غُرَفٍ معزولة!  ويندهشون كون المألوف والسائد في مجتمعاتنا العربيّة يتمثّل في النظر إليهم باعتبارهم غُرباء وأصحاب أطوارٍ غريبة، ولعلّهم  من الزوائد غير المرئيّة المركونة والمنسيّة في الهامش وخارج المتن المجتمعي!
ربما يكون تشبيهي للكُتّاب بالأطفال تشبيهاً مغالياً أو متطرفاً. لكنني أرى أنهم من الكائنات غير المتطلبة، من الشخصيات المكتفيّة بأفراحٍ ومَسرّات صغيرة ذات صلة بعالم الكتاب والكتابة والثقافة، ولا يعدو طموحهم مرتبة الاعتراف بعملهم على أنه قصة نجاح وإضافة نوعيّة جديرة بالتقدير– بصرف النظر عن ماهيّة هذا التقدير. كما يجدر التنويه إلى أنَّ تقديراً واحتقاءً بهذا المستوى يعنيان لي، على الصعيد الشخصي، تحفيزاً لمواصلة ما بدأته قبل حوالي ثلاثين سنة، وتحدياً متجدداً للارتقاء بعملي القادم بحسب ما أطمح وأصبو.   

هل استطعتَ التخلص من ثقل الذاكرة بعد كتابة "أرض اليمبوس"؟ وكيف استطعتَ أن تدمج، أو توفق، بين الخاص والعام في السرد؟
كنتُ أعتقد بأنني، إثر انتهائي من كتابة "أرض اليمبوس"، سأكون قد نحيّتُ جانباً الجزء المتبقي الأكبر من مخزون الذاكرة وأثقالها. غير أنني اكتشفتُ، رغم الصفحات الكثيرة، أنَّ المسألة ليست بهذا اليُسْر أو تلك البساطة؛ فثمّة تداعيات تتبع الكتابة تستدعي، بدورها، نُتَفَاً أخرى كانت مخبوءة أو مطموسة جاءت الكتابة لتحييها من جديد ولتطالبني بمستحقاتها. إنها مستحقات ذات خصوصيّة شخصيّة تنفردُ بي وأنفردُ بها، ولا تشكّلُ بالضرورة مادةً جديدةً للكتابة؛ اللهم إلاّ إذا ساقتها النصوصُ القادمة من تلقائها واحتاجتها داخل متنها في سبيل اكتمال أوجهها.
نعم، لقد استطعت التخلّص من بعض أثقال الذاكرة – مع الأخذ بالاعتبار أنَّ الإنسان، وبعد أكثر من خمسة عقود عاشها وعاينَ خلالها هذا الكم الكبير من الشخصيات والأحداث الكبيرة والصغيرة، إضافةً إلى التغيّرات التي أصابت تقييمه لمجريات حياته، إنما يحتاجُ إلى مجموعة روايات!
أما عن مسألة دمجي أو توفيقي بين الخاص والعام؛ فربما يكمن السبب في أنَّ حياتي الشخصيّة – الداخليّة والظاهر منها للخارج -، ضمن خطوطها العريضة ومحطاتها الرئيسة، كانت إما استجابة للوقائع العامة الكبرى أتحركُ على إيقاعها متفاعلاً معها ومحاولاً التدخل (بحجم شخصي الصغير طبعاً) ليكون لي دوري المأمول فيها. أو هي مجموعة الأسئلة التي طَرَحَتْها تلك الأحداث العامة على الجميع، والتي بقدر ما تبدأ بالحيوات الكُليّة للمجتمع فإنها، في الوقت نفسه، تنتهي في عقل الإنسان الفرد لتقلب له يقينياته وتجعلها عُرْضَةً لعصف المساءلات. نحن، كأفراد، لسنا سوى التفاصيل البانية لمجموع المشهد البانورامي. ألسنا كذلك؟         


من مضامين رواياتك يتضح لنا أن الرواية بإمكانها أن تعالج الأحداث السياسية، من خلال الشخصيات وإعادة بناء الأحداث. فما رأيك؟
بإمكان الرواية معالجة الأحداث السياسيّة من خلال الآليات المتحكمة في كل ما سبق وأن أشرتُ إليه في معرض إجابتي عن سؤالك الأخير؛ وأعني علاقة الشخصي بالعام ضمن المفهوم القائل أنَّ المدار الخاص/ الشخصي ليس مفصولاً عن المدار العام/ المجتمعي. تعالج الرواية الأحداث السياسيّة من زاوية كاتبها، مما يقود إلى إعادة تركيبها وفقاً لرؤيته لها وعمق معايشته لتفاصيلها ومدى تأثيرها فيه، سلباً وإيجاباً. وبذلك تأخذ تلك الأحداث ألواناً جديدة في ظواهرها المرئيّة لم تكن معروضة على الملأ، وتتضمن مقولات مختلفة في بواطنها المقروءة بحسب طبيعة الأسئلة وأهميتها النسبيّة، لكنها تبقى كما هي من حيث أنها أحداث وقعت فعلاً جارّة معها كوارثها ونكباتها، أو نتائج خيراتها ومكتسباتها. لا تستطيع الرواية الاقتداء بتأريخ معظم المؤرخين الذين عملوا على اللعب بنتائج الأحداث السياسية الكبرى، وقلبوا الهزيمة إلى نصر مؤزر، مثلاً! أو حذفوا مرحلةً كاملةً من التاريخ ليوجدوا فراغاً في الماضي! الروايةُ، بهذا الخصوص، هي فِعْلُ التعبئة لذلك الفراغ، وتصويبٌ لانحرافات المُعْلَن أو المسكوت عنه. فالسكوتُ وجهٌ من وجوه القَول أيضاً، وإنْ بدا عكس ذلك!
باختصار: الرواية تعيد بناء الأحداث السياسيّة عبر عيش الشخصيات لها، الواقعيّة والمتخيلة، ووفقاً لتجربة كاتبها، لكنها لا تستطيع أن تقوم بتوجيهها على الإطلاق،أو حَرْف مسارها!     

ثمّة جماليات على صعيد السرد والحوار تتعلق باللغة الفصحى واللهجة العاميّة، فكيف تنظر إلى التمايز بينهما؟
لغة السرد هي الفصحى بامتياز وبلا أي شك أو تردد. تلك واحدة من البديهيات التي جُبِلتُ عليها، وما كانت أعمالي القصصيّة والروائيّة إلاّ اشتغالاً وحَفْراً متواضعين في اللغة العربيّة الفصحى لأكتشف الإمكانيات الكبيرة التي تختزنها هذه اللغة وإضمارها لحيويّة التجدد، والتحوّل، والتطوّر- مع ملاحظة أنَّه كلّما تحرك النصّ داخل فضاءات اللغة، واقعاً، وبحسب رؤيا صاحبه، على جمالياتها؛ كان للنصِّ نفسه أن يكتسبَ تلك الجماليات بالتالي. وأن تسعى للّغة، كقاصٍّ وروائي، لا يعني أنكَ تشتغل عالِماً أو فقيهاً لغويّاً، أو باحثاً في اللسانيات مثلاً! أبداً. بالنسبة لي، اللغةُ كائنٌ محسوس حين أخوضُ فيه كاتباً نابذاً لمألوف المفردات في سياقات جُمَلها وتركيباتها وتنضيداتها السائدة إنما أجعلُه (اللغة) يخلعُ لبوساته الباهتة من كثرة الاستعمال، ليرتدي أُخرى، هو يمتلكها في مستوياته العميقة، وكانت بحاجة لمن يخرجها للتهويّة! اللغةُ، كما هي تجربتي معها، حالةُ إحساسٍ وإدراك وتناغم أعيشها وتتلبسني فأنساق إليها. أما مسألة القواعد؛ فتأتي في ما بعد، ولا أخجلُ أو أترددُ في عَرْض ما أكتبه، حين الانتهاء منه، على مَن يفقه تلك القواعد ليقوم بتصويب ما ارتكبتُ من أخطاء.. وهي قليلة على أي حال، وتتعلق بما لا يمسّ بنائي الخاص لها.
أما مسألة اللهجة العاميّة؛ فإنَّ السرد والحوار، في القصة والرواية، يمتلكان رحابةَ وجودها متضافرةً ومشتبكةً وملتحمةً مع الفصحى، تماماً مثلما هي علاقة الجلد باللحم، شريطة الاقتصار على ما يُسْعِفُ النصَّ ويثريه بما لا تحوزه الفصحى. أو الركون إلى مفردةٍ معيّنة عاميّة لها نكهتها الخاصة ومدلولها الاجتماعي المعيش، المعاصر، تأتي بمحمولها المفهوم لدى القارئ عارضةً الواقعَ كما هو، وبـ (لغته العاميّة)، أي بمنطوقه السائر والخارق للطبقات الاجتماعيّة (إذ هو منطوق جيلٍ جديد يعيشُ بيننا وسيكون نحنُ في المستقبل) والذي جاء نتيجة تحوّلات كثيرة اعترت المفردة الفصحى فغيّرت من معناها المقروء في الكتب، وأحَلَّت محلها معنىً متداولاً على الشفاه في تفاصيل الحياة اليوميّة. العاميّة، بحسب ملاحظتي، وربما لأنها بلا رقباء أو سَدَنَة وحُرّاس، حازت وتحوز مساحات من الحريّة تتقلّب فيها وتُنجبُ عليها مجموعة تعبيرات مدهشة في دِقّة إصابتها للُّبِ من المعنى، أو الدِقّة في جَمْع الصورة بمعناها على نحوٍ يكاد يكون ممسوكاً وماسكاً في آن! وهذا، في حد ذاته، وجهٌ من وجوه جمالياتها.        


بدأتَ مع القصة القصيرة، ثم الرواية، وأخيراً قدّمتَ رواية "سير– ذاتيّة"؛ فأين يجد فركوح نفسه وسط هذا التعدد الذي يمتد إلى الصحافة والترجمة والشهادة والنشر؟
إنَّ جُملة تلك الضروب من الكتابة ليست سوى محاولاتي من أجل استكمال صورتي الكائنة في داخلي، والتي أنظرُ إليها باعتبارها إمكانيات متفاوتة في نسبة وكثافة منسوبها تحثّني على أن أحققها، لأتحققَ أنا على هذا النحو تارةً، أو على غيره تارةً ثانية. إني من المؤمنين بأنَّ الإنسان يمتلكُ في أعماقه، وبعد عقود من التجربة الحياتيّة والثقافيّة، عدة مستويات أو طبقات، هي خُلاصته. أي: الإنسانُ ليس سطحاً واحداً، ليس كائناً مسطحاً، ليس هو "الإنسان ببُعدٍ واحد" – بحسب تعبير هربرت ماركوز. ولأنَّ الأمر هكذا؛ فإني أزعمُ وجودي في جميع تلك المجالات الكتابيّة/ الأدبيّة/ الثقافيّة. لكنه، وينبغي عليَّ التنبُّه والتنبيه، وجودٌ ناقص وسيبقى ناقصاً حتّى النهاية. ثمّة اللازمة المتكررة في رواية "أرض اليمبوس"، والتي باتت بمثابة الأيقونة كمفهومٍ أرى وجوباً أخلاقيّاًً وفكريّاً اعتبارها حِكمةً تستوقف الكثيرين مِنّا، ألاْ وهي: "لا شيء يكتمل". أنا أحاول أن أكتمل عبر توزعي على جميع الأنشطة المذكورة، مع يقيني بأني أسعى وراء سراب! لكنه القَدَرُ.. بمعنى من المعاني.
أكتبُ القصة والرواية لأطرح أسئلتي، وأمتحن رؤيتي، وأتعايش مع شخوص الحياة عبر تعالقنا جميعاً وانضفارنا بحبال الخيال الذي يُشهدُنا على أحوالنا من مسافة. وأقومُ بالترجمة لأنَّ نصوصاً قرأتها فأعجبتني، ولكّل واحد منها خصوصيته، الجماليّة أو المعرفيّة، فأحببتُ نقلها لآخرين مجهولين مفتَرَضين يشاركونني محبّة الجَمال وتوق التعرُّف. وكتبتُ مجموعة شهادات لأفضي برؤيتي لِمْا أكتب وأشهدُ عليَّ من الداخل، وكذلك لأقول رأيي المتواضع بما أقرأ لغيري وماذا رأيتُ في ذلك كلّه. وأعملُ بالنشر لأني، ومنذ البداية، عرفتُ بأني لستُ مؤهلاً على مستوى النجاح التجاري أو الاقتصادي، ولا أطيق وضعيّة الموظف.
هذا أنا. في جميع هذه البؤر. وأدركُ بأني ما زلتُ الناقص الباحث عن اكتمالٍ ما من غير أطماعٍ أو أوهام، كبيرة أو صغيرة. 

هل يتماهى الكاتب مع نفسه لينتجَ نصّاً، أم ينتج هذا النصّ بتقمص غيره؟ أين يكمن فركوح؛ أفي تماهي الذات أم تقمص الآخر، ولماذا؟
المعادلة بطرفيها هي جوهر الكتابة كما أفهمها، وكما أمارسها، وكما أقوم بقراءتها لدي غيري من الكُتّاب. فإنْ آمَنّا بأنَّ مَن هُم خارجنا ليسوا سوى مرايانا، نعاين أنفسنا في عيونهم لنعي أجزاءً مِنّا محجوبة عن إبصارنا المباشر.
وإذا أدركنا بأننا نمثّل للآخرين تلك المرايا معكوسةً، مثلما أننا جميعاً (الذوات وآخَرها) لسنا في حقيقة انفصال رغم حالات من العزلة والاغتراب نعيشها بدرجات متفاوتة؛ عندها يصير لي أن أقول بأني في اللحظة التي أحفرُ فيَّ لأجدَ بعض حقائقي عني إنما أعاين غيري أيضاً لأنه، وأنا، لسنا سوى الواحد الاجتماعي بوجوهٍ متعددة. وبذلك، أتماهى مع نفسي وأتماهى مع غيري في الوقت نفسه. أولستُ أخزنُ في أعماقي أصداءَ الآخرين، وجوهاً وأسماءً وأصواتاً ومواقف ووجهات نظر؟

ثمّة تجارب سرديّة سعوديّة يُشار إليها في كتابة القصة القصيرة، فما رأيك بتجربة كل من زياد السالم وعبدالرحمن الدرعان؟
لستُ مطلعاً، للأسف الحقيقي، على تجربة عبدالرحمن الدرعان. غير أنَّ مجموعة زياد عبد الكريم السالم، "وجوه تمحوها العزلة"، تملكُ نكهةً للمكان وخصوصيّة في الشخصيات لافتتين. كما يراعي جانب اللغة ويشتغل على ذلك انطلاقاً من رؤيا هي شِعريّة في المقام الأوّل. أنا بحاجة لقراءة المزيد من قصصه ليتوفر لي حق الكلام بما هو أكثر.

بعد هذه السنين من العمل الدؤوب والإنتاج المستمر، ما هو جديد فركوح؟ وهل أنتَ راضٍ عمّا أنجزتَ؟
أناوشُ بدايات رواية جديدة. أستفزها لتنهض وتتحرش بي، فنشتبكُ في عِراك المناكفات والمماحكات، فأكتب. أما الرضا؛ فحالةٌ نسبيّة ليست ثابتة وليست دائمة. في كثير من الأحيان أجدُ أنني لم أنجز رُبْع ما أريد. وفي لحظات لا أعرفُ تحديداً ماذا أريد! 



الشيدي: لدي نصوص أميل لخلخلة مفاصلها بالماء

الشاعرة والروائية العمانية فاطمة الشيدي لـ "تايكي":
لدي نصوص أميل لخلخلة مفاصلها بالماء
 
الشاعرة والروائئية العمانية فاطمة الشيدي
الشيدي: أحب التجريب والتجديد وهذا ما أنتج  أشكالا مختلفة من الكتابة.. أحب أن أقترفها بقوة وبفعل

يبدو أن المرء كلما تقدم في التجربة والعمر قل إنتاجه وخاصة من الشعر، وبدا أكثر هدوءا وصمتا وتريثا في الكتابة

العلاقة بين الشكل والمضمون هي العلاقة بين الروح والجسد، بين الخارج والداخل، ولا ينبغي الإخلال بأي منهما


مسقط - محمد محمود البشتاوي *

"كل نص بالنسبة لي حالة تجريب قائمة بذاتها"، هذا ما تؤكدهُ الشاعرة والروائية العمانية الدكتورة فاطمة الشيدي، موضحةً في حديثها عن الشعر :"النص الشعري لدي صارم ومتزن، ولكن لدي نصوص أميل لخلخلة مفاصلها بالماء والتكرار والعبث الجسيم أحيانا، إنها نصوص أريد أن تقول ما تريد بلا تدخل من الشاعر المتعالي الذي يفترض شكلا للنص".
وتضيف الناقدة مؤلفة رواية "حفلة الموت" لـ "مجلة تايكي" الأردنية: "لكل صانع في هذا العالم الكبير أدواته، وكذلك الكاتب والشاعر واللغوي، وأنا أدواتي خرجت من "رحم الشعر"، مشيرةً إلى ميلها العميق لـ "الشكل الفلسفي" و"الغة" المشتغل عليها بحفر ونبش وتجريح واشتعال.

عناوين الشيدي الأدبية مسكونةٌ بالموت، والفقد، والألم، فـ "هذا الموت أكثر اخضراراً - شعر" و"دمدمات- نص مفتوح"، و"حفلة الموت – رواية"، فما السبب؟، وهل ثمةَ جمالية لـ "الموت" لكي يحظى بكل هذا الاحتفاء؟.
الموت هو حالة فقد حتمية، سواء كانت نهائية أو مستمرة أو مؤقتة، والشاعر يعيش المجاز حتى في الواقع والحقيقة، المجاز والبلاغة والمبالغة هي لسان حال الشاعر وودمه ولغته، إنها صنوان وجوده المادي والنفسي على هذه الأرض، إذن فكرة الموت هي معادل نفسي لفكرة الفقد، وهي فكرة فلسفية ووجودية ميتافيزيقية بقدر ما هي فيزيقية وطبيعية وواقعية، فكل غياب موت، وكل موت هو فقد، وكل فقد ألم ترقى به روح الشاعر وترتبك وتذهب من خلاله في النص المعين الوجودي الوحيد والحميم لذا وكما يقول نيتشه "الموت قريب بما فيه الكفاية كي لا نرتاع من الحياة" .

مفردة اللون تكرر أحياناً في قصائدك، وكتاباتك، علاوةً على ارتباط مجموعتين لك باللون، وهما "هذا الموت أكثرُ اخضراراً"، ومجموعة "خلاخيل الزرقة"، فما علاقة اللون بالشعر، والشاعرة؟، وهل من دلالات ترتبط بطبيعة عُمان؟

روح الشاعر مرآة تتراءى فيها كل الصور والأحداث والأمكنة والأزمنة والأشخاص، وتترك بصماتها في الذاكرة النصية التي تتخطى فكرة القصدية في الفعل اللغوي، إلى حالة من الكتابة المتسربة كالماء من بين شقوق الروح، بلا محاولات جادة وصارمة للفعل ذاته، إنها الكتابة التي تنبثق كالدم من الوريد، في انفجار يظهر كل مكونات الذات ومكنونات الذاكرة، إن كل ما هو ثابت وراسخ هناك سيظهر؛ مكان المولد والمكان البعيد الذي ذهبت إليه، كمزرعة ترعرعت فيها، أو بحر نبتت أهدابك على شواطئه، أو جرح تدفق منه الدم حتى قبل أن تعرف التسميات.

هل يمكن القول إن كتابك "دمدمات: قبور الوحشة وذاكرة الفراغ"؛ نتاج مزاوجَتَكِ لكتابة الشعر، والسرد؟، أم هي تجربة مختلفة تندرج في إطار من التجريب لإنتاج نص مفتوح عابر للأجناس؟
أدرك بالوعي المثقف أن الإجابة الأولى هي صحيحة، ولكنني أميل بالوعي الكتابي للإجابة الثانية، إنه نص آخر، نص جديد يجرّب حضوره بدم جديد وقامة مختلفة، وأقدام تنغمس في تربة الكتابة لتتشكل من صلصالها لاحقا بما يشكل نصا خاصا وقويا ومتينا، كل شيء كان في البدء لا شيء، كل النصوص وكل الأسئلة وكل الإجابات، لم يخلق الله الشعر إذ كسا العظام لحما، لكنه كان محاولة وتجريب من أحدهم أو بعضهم، كذا النص المفتوح حالة كتابية تزرع أظافرها في لحمة الكتابة مستقيمة على عظمها لتمضي في الحلم بالتكوّن والاستدارة والاستقامة على سوقها بشكل يعجب الزراع والكتاب والنقاد.

 التكرار عنصر قائم في قصيدتكِ، كأنما هي محاولة لتعويض الإيقاع الذي تفتقدهُ قصيدة النثر، بيدَ أن كثرة التكرار قد تقتل سلاسة النص، فكيف تتعاملين مع هذا الأسلوب؟.
ربما! كل نص بالنسبة لي حالة تجريب قائمة بذاتها، لدي بعض النصوص التي تعتمد مشروعية فعل التكرار في النص لغاية في نفس الناص، لا أعمد من خلالها للتعويض عن فقد أفترضه مسبقا، وقد يكون التكرار هو ذاته سببا رئيسا للسلاسة والانثيال اللغوي، أيضا النص الشعري لدي صارم ومتزن، ولكن لدي نصوص أميل لخلخلة مفاصلها بالماء والتكرار والعبث الجسيم أحيانا، إنها نصوص أريد أن تقول ما تريد بلا تدخل من الشاعر المتعالي الذي يفترض شكلا للنص، هذه هي النصوص المفتوحة والمنفتحة على الروح والفكرة والقارئ. 

الانزياح في اللغة نحو الشعر، يغلب على روايتكِ "حفلة الموت"، وفي النص المفتوح "دمدمات" أيضاً؛ فهل هو استلاب في اللا – وعي للأصل – باعتبار أن الشعر جاءَ أولاً –، أم أن الشيدي تفضل سَبْكَ سردها بلغة شاعرية؟.
لكل صانع في هذا العالم الكبير أدواته، وكذلك الكاتب والشاعر واللغوي، وأنا أدواتي خرجت من رحم الشعر، ومع كل احتفائي بالفكرة والمعنى، إلا إنني أميل للعمق في شكل فلسفي موغل وجارح عميق، أميل للغة المشتغل عليها بحفر ونبش وتجريح واشتعال، ليأتي النص متصفا باللغة الحية والصورة الحيوية والضاجة والناضجة، والثرة والثرية بالشعر والجمال والفلسفة، وفي كل ما أكتب وبلا قصدية أحيانا، وأظن أنني لست بدعا في ذلك  فهناك الكثير من الكتاب والفلاسفة الكبار ضمن هذا الإطار.

هل كانت قصيدة النثر بمثابة بطاقة عبور لكتابة الرواية؛ بعبارةٍ أخرى.. كانت مرحلة تمرين كتابي؟.
لا إطلاقا، منذ البدء وحتى النهاية أترك النص أن يولد يأتي، أو كما يشتهي، وأعرف أنني أريد أن أكتب في أجناس متعددة، أنا أكره الأطر، والجمود والشكلانية والثبات العقيم، وأحب التجريب والتجديد وهذا ما أنتج  أشكالا مختلفة من الكتابة أحب أن أقترفها بقوة وبفعل.

ألا توافقيني الرأي، أن تخصصك في مجال اللغة، وتوجُّهك نحوَ الدراسة النقدية، وكتابة الرواية، قلَّص لديك مساحة الشعر؟.
من جهة ما نعم وجدا، وأنا حزينة لذلك، ومن جهة أخرى لا فالشعر هو لغتي  التي أنثرها في أشكال أخرى، ولا زلت أكتب الشعر، ولكن يبدو أن المرء كلما تقدم في التجربة والعمر قل إنتاجه وخاصة من الشعر، وبدا أكثر هدوءا وصمتا وتريثا في الكتابة.

في كل قراءة جديدة اكتشاف لوجه آخر للمعنى، وكما قال ابن رشيق القيرواني "لكلِّ كلامٍ وجهٌ وتأويل"، وسمة النص الحديث تتكئ على هذه الثيمة، وفي هذا الصدد؛ فإن نصَّ الشيدي جمعَ البساطة إلى جوار المعنى المركب، الغامض بشكلٍ شفاف، وليسَ المُنغلق في معناه، والسؤال هنا؛ كناقدةٍ وكاتبةٍ للنص، كيفَ تنظرين إلى ثنائية المعنى (المضمون) والمبنى (الشكل)؟.
أميل للموازنة الحقيقية بين الشكل والمعنى، المعنى مهم جدا في النص شعرا كان أو نثرا، لأن الكاتب والشاعر يكتب ليُقرأ، لا يوجد شاعر يكتب لنفسه وإلا فعليه أن لا ينشر، ولكن بالطبع هناك قارئ أو قراء لكل شاعر وكاتب، إذن المعنى مهم وفكرة الطلاسم والحجب التي بدأت تظهر في القصيدة الجديدة هي حالة تجريب لم تثبت جدارتها، ولكن في المقابل علينا أيضا أن نهتم بالشكل بقوة السبك، واللغة التي ترقى بالقارئ، إن العلاقة بين الشكل والمضمون هي العلاقة بين الروح والجسد، بين الخارج والداخل، ولا ينبغي الإخلال بأي منهما.

الشيدي موزَّعة بين حقول مختلفة من الإبداع؛ الشعر، السرد، المسرح، النقد، والكتابة الصحفية؛ فهل هي محاولة لتطبيق مقولة "المبدع الموسوعي"، أم أن العملية هي فتح لآفاق متعددة من التعبير بشكل أوسع؟.
لا أبدا، إنما هي محاولة طويلة ومضنية وعميقة للإجابة عن أسئلة تكبر مع كل عام يخطو فيه هذا الجسد نحو الهاوية، وهذا الروح نحو الصمت، وهذا الوعي نحو الفهم، إنها محاولة جادة وموجعة ودامية أحيانا كثيرة لردم هوة القلق الإنساني والوجودي العميق في هذه الذات، بأشكال ومضامين متعددة.

أخيراً، يقال "الشعر منبر ذكوري"، و"الرواية فعل غير جنسوي"؛ الشيدي كيف تنظر إلى التصنيفات الجنسوية للأدب؟.
الشعر والرواية والنص وكل كلمة وكل حرف هي هبة إلهية كما الكون والطبيعية بكل ما فيها من مخلوقات؛ من طيور وزهور وبحر وسماء وكل الأشياء المحيطة بنا، وكل الأشياء التي تسكننا، وكالمحبة والأخلاق الرفيعة والإنسانية النبيلة، التي هي موجودة في الذكر والأنثى، وللرجل والمرأة، فالكون واللغة والإنسانية لا تقبل القسمة والتوزيع لصالح التقسيمات السياسة المكانية أو الذكورية الاجتماعية، أو الأعراف البالية، أو التحزبات اللونية والعرقية والشكلية وغيرها من التقسيمات المشوهة والمغلوطة، إنها وسيلة للإنسان (رجلا كان أو امرأة) للتعبير عن ذاته ووعيه حسب همومه ونضاله الشخصي لصالح فكرة أو حلم أو ألم ما بحرية وهو يرتعش كما قال سيوران "لا يمكن لأحد التمتع بالحرية دون أن يرتعش".
        *  كاتب وصحفي أردني مقيم في مسقط  


لمحة عن الشيدي:
الشيدي حاصلة على درجة دكتوراه الفلسفة في اللغويات من جامعة اليرموك العام 2008م، صدر لها "المعنى خارج النص أثر السياق في تحديد دلالات الخطاب، دار نينوى،2011"، و"دمدمات دار نينوى، دمشق 2010"، و"ملامح النص الضوئي (بحث) سلسلة بحوث النادي الثقافي - مسقط 2010"، و"حفلة الموت (رواية) دار الآداب، بيروت 2009م"، و"سيميائية النص النسوي العماني (مشترك) كتاب "ندوة المرأة الكويت" 2009م"، و"مساءلة خطابات التلقي (مشترك) كتاب "ندوة نقد النقد في عمان" 2008م"، و" مراود الحلكة (شعر) وزارة الثقافة ، مسقط 2008"، و"خلاخيل الزرقة (شعر) دار المدى، دمشق 2004"، و"هذا الموت أكثر اخضرارا (شعر) دار الرؤيا مسقط 1997".


الربعي: اليهودية دين عربي قديم

فاضل الربيعي لـ العرب اليوم:
اليهودية دين عربي قديم

مصدر الصورة: صحيفة البيان الإماراتية


الربعي: التوراة لا تذكر بأي صورة من الصور لا اسم فلسطين ولا الفلسطينيين ولا القدس. لقد جرى التلاعب بأسماء وردت في النص التوراتي لتتطابق مع أسماء مماثلة في جغرافية فلسطين

حاوره: محمد محمود البشتاوي
ينطلق المفكر والباحث العراقي الدكتور فاضل الربيعي في منهجيةِ كتاب "القدس ليست أورشليم" من ثلاث أدوات بحثية متلازمة؛ إعادة ترجمة النص العبري، ومقاربته مع النص العربي السائد (الطبعة العربية من التوراة) للبرهنة على وجود قراءة خاطئة وغير علمية للنص، ناجمة عن التباس وضعف في المعطيات اللازمة لفهم هذا النص بلغته الأصلية. والأداة البحثية الثانية، هي إعادة اكتشاف كتاب الهمداني (صفة جزيرة العرب) ومقاربة نصوصه الجغرافية مع نصوص التوراة، ورؤية أشكال السرد الجغرافي القديم الذي يتطابق كلياً.
وفي هذا السياق يقول الربيعي: وصف الهمداني أرض اليمن القديم، فجاء وصفه مطابقاً تماماً لما جاء في التوراة، مضيفاً أنه لاحظ من وصف الهمداني أنه يعطي (كل) الأسماء الواردة في النص العبري من التوراة – وظن العلماء خطأ أنها أفعال أو كلمات رسمت بطريقة خطأ من قبل محرر النص العبري- ولكن الهمداني وهو يقدم وصفه لجغرافية اليمن، يقدم هذه الأسماء باعتبارها أماكن ومواضع يمنية.
والاداة الثالثة تقوم على دعم وصف الهمداني لهذه الأماكن، من خلال إيراد الأشعار الجاهلية التي تغنت بها، باعتبارها أماكن ومواضع عربية – يمنية.
فاضل الربيعي

العرب اليوم التقت الدكتور فاضل الربيعي، وحاورته حول كتابه الأخير "القدس ليست أورشاليم"، وفيما يلي نص الحوار:

 تؤكد أن التوراة جاءت من اليمن؛ فهل لك من توضيح؟
أودُّ الاشارة إلى البدهيات التالية: إن اليهودية دين عربي قديم من أديان العرب في طفولتهم البعيدة. وهذا الدين لم يتسلل إلى المنطقة من أستراليا أو كندا، بل هو دين عربي دانت به قبائل عربية بائدة في اليمن. وهناك إجماع عند المؤرخين القدماء أن اليهودية ظهرت في اليمن.
والقبائل التي اعتنقت هذا الدين هي قبائل عربية يمنية. لقد ظل اليمنيون القدماء يفخرون أن بني اسرائيل قبيلة عربية- يمنية، وأنا أدعو المتخصصين والقراء أن يعودوا إلى المفاخرات الشعرية في العصر العباسي، وأن يقرؤوا قصيدتي الكميت الأسدي ودعبل الخزاعي ليلاحظوا كيف أن العرب والمسلمين في هذا العصر كانوا يؤمنون بأن بني إسرائيل قبيلة من قبائل اليمن. وهذا يعني أن اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين (جنوب الشام) هم من أبناء القبائل العربية، لخم وقضاعة وتميم وطيء وسواها، وهذه القبائل كانت إما وثنية أو على دين اليهودية.
وعلى هذه الحال فإن التوراة هي كتاب ديني من كتب هذه القبائل العربية اليهودية، وهو لم يصدر في أستراليا ولم يتنزل عليهم في إيرلندا، وهذا الكتاب يروي تجربة بني إسرائيل الروحية والتاريخية في مكان (مسرح تاريخي) محدد ومعلوم هو أرض اليمن، وذلك واضح من أسماء الملوك والانبياء والمواضع والمدن، مثل سليمان وداود وبلقيس ورحب- عم أبن سليمان، وحضرموت وسبأ وعدن وأوزال ( أي صنعاء القديمة) ومئات الاسماء الاخرى.
أما البدهية التي يتعين التركيز عليها، فهي أن علينا التمييز بدقة علمية، بين بني إسرائيل واليهود، فليس كل يهودي هو بالضرورة ينتسب إلى بني إسرائيل، اليهودية دين وبنو إسرائيل قبيلة، ولذلك فليس كل مسلم اليوم هو بالضرورة من قريش. لقد ميّز القرآن العظيم بدقة مذهلة بين بني إسرائيل واليهود، والنص القرآني يمجد بني إسرائيل بوصفهم قبيلة موحدة، ويقول عنهم إن الله اصطفاهم وأنعم عليهم، بينما يندد بيهود الجزيرة العربية لتحريفهم النصوص.
ولذلك، فلا يمكن بأي صورة من الصور قبول مزاعم اليهود المستوطنين القادمين من الغرب الاستعماري بأنهم من بني إسرائيل. هم يهود نعم. لكنهم ليسوا من بني إسرائيل. وهذا يشبه تماماً ما يحدث عندنا، حين يزعم مسلم صيني أو فلبيني أنه من قريش فيدعي حقاً في أرض العرب أو تاريخهم. هذا غير منطقي وغير مقبول، فهو مسلم نعم، ولكنه فلبيني أو صيني وليس من قريش، وبالتالي فلا حق تاريخياً له لا في أرض العرب ولا في تراثهم القديم الديني والثقافي.
البدهية الأخيرة، أن التوراة لا تذكر بأي صورة من الصور لا اسم فلسطين ولا الفلسطينيين ولا القدس. لقد جرى التلاعب بأسماء وردت في النص التوراتي لتتطابق مع أسماء مماثلة في جغرافية فلسطين. وهذه المطابقة التعسفية هي التي قادت إلى تنفيذ مشروع اغتصاب فلسطين والاستيلاء على القدس.
علما أن اسم القدس اسم حديث لا يتجاوز تاريخ العهدة العمرية التي نصت على أن العهد وقع مع أهل إيلياء. لقد أطلق اسم القدس في وقت تال على الفتح الإسلامي، وبالتالي فلا يوجد أي مبرر لمطابقة اسم قدس- قدش في التوراة مع اسم القدس الحديث؟.

القدس ليست أورشليم عنوان إشكالي أثار بعض الانتقادات المَنحوتةُ من فهمٍ مختلف تأتى تقريبا من فوبيا فتح الشهية الصهيونية لمناطق عربية أخرى؛ وكأن الربيعي يقول إن قدس اليهود في اليمن فلماذا تم احتلال فلسطين.. فهل لك أن تصوب المسألة؟
التوراة لا تذكر أصلاً اسم القدس العربية- الإسلامية، إنما تذكر اسم جبل شاهق مقدس تسميه قدس- قدش. والقدس العربية- الإسلامية كما هو معروف ليست جبلا ولا فوق جبل.
إن الهمداني والشعر الجاهلي يقدمان وصفاً جغرافياً مطابقا لا مجرد تماثل شكلي في الأسماء، فعندما يتحدث الهمداني عن جبل قدس- قدش المبارك إلى الجنوب من تعز باتجاه عدن ( نحو 80 كلم) فإنه يقدم وصفاً مطابقاً لكل ما أورده النص التوراتي باعتبارها أسماء أماكن ومواضع وقبائل يمنية.
إن كون المرء يهودياً من يهود استراليا أو السويد ويعطيه أي حق في المطالبة بأرض عربية في فلسطين أو اليمن، لمجرد أنه دان بدين عربي.
لقد أصبحت الأمبراطورية الرومانية مسيحية حين جاءت لاحتلال الشرق العربي، فهل كان يحق للرومان أن يطالبوا بأرض العرب لمجرد أنهم أصبحوا من أتباع دينهم؟ هذه أرضنا وهذه أدياننا وهذه قبائلنا وهذه قدسنا العربية- الإسلامية، وليس لليهود الغربيين المستوطنين قدس الاقدس خيالية صنعها لهم علم الآثار الاستشراقي التوراتي، حين أوهمه أن كونهم يهودا أي مجرد كونهم يهودا يعطيهم الحق في إدعاء الانتساب إلى بني إسرائيل.
ان بني إسرائيل شيء واليهودية شيء آخر. تماما كما الحال مع المسلمين، فليس من حق المسلم الصيني أو الهندي ادعاء الانتساب إلى قريش لمجرد أنه اعتنق دينا عربياً. والغريب في هذه المزاعم، أنها تطابق بين أورشليم والقدس، بينما لا يوجد أي نص في التوراة بلغتها الاصلية أي إشارة إلى أنهما مكان واحد؟ وأنا أدعو كل من يزعم خلاف ذلك، أن يقدم نصاً واحدا من التوراة وليس من أي كتاب أو وثيقة أخرى الا الوثائق الايركيولوجية يقول أن القدس الوارد ذكرها في التوراة هي أورشليم؟.

القدس- قدش، أو أورشليم، يبوس.. مسميات تطلق على مكان واحد حسب ما هو متداول إلا أنك في كتابك تقول عكس ذلك، في حين نسعى إلى تصويب الأمكنة المذكورة في التوراة على أنها لا تعني فلسطين وإنما اليمن.. فهل من توضيح؟
لنحتكم إلى النص التوراتي. ماذا يقول النص: يقول إن داود استولى على بيت بوس بعد أن عبر جبل صهيون، وأنه باستيلائه على بيت بوس استولى على أورشليم (ولم يقل أنه استولى على القدس) فكيف جرى خداع العالم كله، أن فلسطين تعرف جبلا يسمى جبل صهيون، وأين هذا الجبل؟ وكيف اختفى هو وبيت بوس؟ لكن الهمداني يعطينا اسم جبل صهيون اليمني- العربي الذي يؤدي إلى بيت بوس ومنها إلى أورشليم اليمنية.
وفي أمثال اليمنيين القدماء والمعاصرين يقال كل يهودي بيت بوسي، وكل بيت بوسي يهودي. وحتى اليوم لا تزال بيت بوس الجبلية هناك كما وصفها الهمداني والشعر الجاهلي فوق مرتفع جبلي حصين- تماما كما وصفته التوراة- حيث توجد بقايا مدينة يسميها اليمنيون أورسليم- أورشليم. كما أن الاعشى الهمداني- اليمني تغنى بجبل صهيون عام 524م حين تأهب الملك اليمني اليهودي ذو نواس الحميري لغزو نجران المسيحية. وأكشف لكم سراً مذهلاً.
لقد اقتطع المستشرقون من كتاب الهمداني صفحات كثيرة واختفت نهائياً وربما إلى الابد. وقد لاحظ العلامة حمد الجاسر رحمه الله أن كتاب صفة جزيرة العرب ناقص وسرقت منه صفحات كثيرة. ومن بين هذه الصفحات تلك التي يرد فيها وصفه لجبل صهيون. وهذا الجبل تقول عنه التوراة أن داود غيرّ اسمه إلى جبل داود. واليوم يمكنكم أن تعرفوا أن ما يسمى جبل الدود في صعدة- حيث تدور المعارك مع الحوثيين في وادي كتاف- هو نفسه جبل دود( بالعبرية دود – داود) بينما يظن بعض العامة من الناس انه على اسم دود ( الحشرة) علماً أن اسم صعدة ووادي كتاف يردان بالنص بهذه الصيغة.
وهما يؤديان بالفعل إلى بيت بوس ومنها إلى أورشليم. وسأتوقف قليلاً للإشارة إلى أن حادث الاخدود الذي وصفه القرآن الكريم بدقة في آية (قتل أصحاب الأخدود) هو حادث تاريخي حقيقي وقع في نجران، عندما هاجم ذو نواس الحميري موطن المسيحية العربية في نجران وقام بذبح النصارى وحرقهم، وهو حادث يلخص الصراع بين اليهودية والمسيحية في اليمن ونجران عام 524-525م وانتهى بسقوط اليمن في قبضة الاحباش المسيحيين الذي زحفوا صوب اليمن لوقف المذابح ضد المسيحيين.
وليس من المنطقي تصور أن الاعشى حذر أساقفة نجران في قصيدته الشهيرة (أيا سيدي نجران) والتي أشار فيها إلى هجوم اليهود اليمنيين عبر جبل صهيون؛ إنما كان يحذر أهل نجران من هجوم فلسطيني؛ لقد زوّر المستشرقون تاريخنا وقلبوه رأساً على عقب.

البعض يقول إن مجرد تطابق الاماكن لا يكفي.. فكيف ترد؟
بالطبع هذا صحيح تماماً ولا يجوز أصلاً الاعتماد على تشابه كاذب في أسماء الاماكن. كتابي السابق( فلسطين المتخيلة- مجلدان) يرفض فكرة المطابقة بين الأسماء من أصلها، ويدعو إلى إعادة تفكيك وتركيب الرواية التاريخية. وهذا ما واصلته في (القدس ليست أورشليم). المشكلة أن بعض القراء لديهم تصورا نمطياً ناجماً عن وجود بعض البحوث التي تسعى إلى المطابقة بين أسماء الاماكن، فيتصورون أن كل بحث جديد هو محاولة أخرى لمواصلة هذه المطابقة. وهذا ما أرفضه رفضا قاطعاً.
ما قمت به هو إعادة تفكيك وبناء الرواية التاريخية، لأنها رواية زائفة صنعّها لنا المستشرقون وعلماء الآثار، وقالوا فيها أن فلسطين هي أرض التوراة، وأن القدس هي أورشليم، وأن ما ورد من قصص ومرويات يدور في المسرح الفلسطيني. والحقيقة أن لا علاقة بين التوراة وجغرافية فلسطين وتاريخها القديم، لأن التوراة كتاب ديني من كتب يهود اليمن.

ومعلوم لعلماء الآثار، أنهم اكتشفوا نقوشا كثيرة سجلت فيها القبائل العربية اليهودية المهاجرة من اليمن إلى جنوب الشام (فلسطين) الكثير من الاحداث والمعلومات، ولكن يدا خفية اختطفت هذه النقوش أو غيبتها عن أنظار العالم، ومنها النقش الشهير الذي يعرف باسم نقش شعريم، ويرد فيه ما يلي (هذا قبر مناحيم قيل- ملك- حمير) وهو ما يعني أن القبائل اليهودية التي أقامت في فلسطين نحو 200 ق.م كانت قبائل يهودية يمنية عربية.