دُوَار
(مقاطع من "تكتكة")
جعفر
العقيلي
(كاتب
وقاص من الأردن)
(1)
إنه
قدَري.
وهل
يملك من هو مثلي من أمرِ تغيير قدَره شيئاً؟!
آه،
لو
كنتُ خُيّرتُ في ما سأكونه!
هل
أرتضي أن أنْوَجِدَ على هيئتي هذه؛ يقيّدني رجلٌ خشنٌ بمعصمه، بينما يظنّ أنه
يقيّد معصمه بي!
يا
إلهي، لو تعرفون أيّ حياة أعيشها، وأيّ رتابة تخيّم على أيامي، فمنذ فتحتُ عيوني
على الدنيا، أو فتحتْ عيونَها عَلَيّ، وأنا منذورة للشقاء. وأيُّ شقاء! أذكر أنني
ما توقفتُ عن اللهاث حتى اللحظة، وما حظيتُ بهنيهةٍ ألتقط فيها أنفاسي التي تنبثّ
منّي بانتظامٍ مُضْجِر.
الدُّوَارُ
المستمر الذي صحوتُ عليه مع دقاتي الأولى، والذي ما غادرني لحظةً، يجعلني
انفعاليةً ومتهوّرةً، أنا المشهود لي بالاتزان والانضباط.
ينطبق
عليّ المثل ونقيضه، فلا "لَفّ ولا دوران" في قاموسي، رغم أن حياتي
كلَّها لَفٌّ ودوران.
فمتى
ألوذُ بداخلي برهةً، وأتوقف عن الركض في دائرةٍ مغلقة لا يغادرها مساري، ولا أمل
في الفكاك منها.
متى
أتمكن من تأمّل نفسي، بعيداً عن تأثير الصخب المزروع في أحشائي، والذي يجعلني أحسّ
أنني أشْبِهُ قنبلةً موقوتة؛ فأنا أيضاً كائن. أرجوكم. افهموني. كائن يجوع إلى
السكينة، أبحث عن إشارة حمراء واحدة في طريق لهاثي تُوْقِف "تكتكتي"
الرتيبة.. تك.. تك.. تك!
(2)
تبدأ
حكايتي، يا سادتي يا كرام، عندما وجدتُني في معترَكِ الصَّحْو، دفعةً واحدة. أفنيتُ
حياتي أحاول فهم ما يحدث لي أو بي -لا فرق- وها إنني لا أدّعي بعد كل هذا العمر -هل
أذكره لكم محسوباً بالثواني أم بالدقائق أم بالساعات؟!- أنني أَحطت علماً بما
يُشبع نهمَ أسئلتي الجائعة.
هكذا،
فجأة،
نبضَ
قلبي.
فإذ
بي كالمنبتّ، لا أهل لي ولا عائلة.
أنتم،
بني البشر، محظوظون أكثر منا، لكم آباء وأجداد، ومنكم من يحفظ خريطة السلالة التي
ينتمي إليها كابراً عن كابر.
أما
نحن، فيا حسرةً علينا.
كل
ما نعيه أننا نُسجَّل على قيدها، الحياة، دون تمهيد أو ترتيبات مسبقة. لا مخاض. لا
طفولة نلهو فيها، لا ذكريات عن أيام الصبا، ولا مراهقة نجتازها نحو سن المعرفة. نجيء
بِوَعينا كلِّه، مكتملاً وناضجاً، ثم نشيخ -لا تتفاجأوا-، وحينها، سرعان ما يُلقى
بنا في سلال المهملات، أو نجد أنفسنا في سوق الخرداوات، أما المحظوظةُ منا فتقبعُ
في دُرْجٍ مظلم، تغطّ كأهلِ كهْفِكُم، في سباتٍ عميق.
"على
هذه الأرض ما يستحق الحياة".. هل كان سيقولها درويش، لو كان من بين جلدَتنا!
(3)
إذن،
جئتُ إلى الدنيا كمن ينفتح الأفقُ أمامه على مشهد غريب، غريب تماماً.
لم
يُسَمِّني أحد، كما هي عادتكم، واكتفوا بعلامة دمغوا فيها صفحةَ وجهي.
بالكاد
نجحتُ في العثور عليّ من بين "بنات دفعتي"؛ إذ نتشابَه إلى حدٍّ لا يمكن
التفريق فيه بين هذه وتلك، ولولا انتباهة الفطنة منا إلى وجيبِ ذاتِها لما
اهْتَدَت إلى نفسِها، ولظنّت أنها أُخرى!
أمّا
عنّي؛ فقد كنتُ أعرفني. خِلْتُني كذلك، وارتضيتُ؛ إنه لَمَجْدٌ أن يعرف الكائن
نفسه!
لكن
طموحاتي أكبر بكثير؛ أن أُسَمَّى، يستدلّ الآخرون عليّ، وأنال حظّاً من الشهرة
يليق بي.
وحدَهُ
تعاقُب التكّات أجبرني على تجرُّع مُرّ الحقيقة، أو عبثِها: لستُ سوى تكرارٍ
لأشباهٍ كُثُر. فارتضيتُ بهذا أيضاً، ووجدتُ بعضَ العزاء حين سمعتُ أن "الموت
مع الجماعة رحمة"، فقلتُ في سرّي: "والحياةُ معهم أيضاً".
(4)
دارت
الأيام، ودرتُ.
أنتظر
خلاصي من قفصٍ زجاجي اتخذوه لي موطناً، وأتوقُ إلى يومٍ ينتهي فيه كلاهما: الدوران
والدوار.
أحياناً
أتقبّل ما أنا عليه، حين أشعر أنني ضرورية أو مفيدة، وبخاصة عندما يعودُ صاحبُ
المحل إليّ ليتوثق من معلوماتٍ كثيرة، أعرف منها الوقتَ واليوم والتاريخ. وقد أرضى
غروري أنّ ثمة مزايا أشتمل عليها يبدو أن كثيرات من بنات سلالتي يفتقرن إليها.
"أنيقة"،
هذا ما قاله شابٌّ كان سيشتريني قبل أن يتراجع. وفي مرةٍ، وقعَ اختيار صبيّة عليّ،
وحال دون انضمامي إليها لون زنادي الذي لا يُراعي لَمَعاني.
وها
رجلٌ رفقةَ امرأة، يتفحّصني. أروق له. يحملني، كدت أختنق حينما دثّرني بالورق
الملوّن.
أظنني
أنطلق. "بَلا أقفاص بَلا بطّيخ!". أرى الشوارع، البنايات، السماء
الزرقاء وصفوها المعكَّر، أرى الحياة ولا أعيشها!
(5)
عرفتُ
تعاقُبَ الليل والنهار، أحسستُ بأربعةِ الفصول، ما ارتعدت فرائصي برداً، ومانَزَّ عَرَقٌ
من جبيني صيفاً.
تنقّلتُ
من الموطن الذي عرفتُني فيه أولَ مرة، إلى أماكن رُقْتُ فيها لهواةٍ وعابرين بدوتُ
عابرةً في حياة بعضِهم أيضاً.
وأنا
رهن الترحال من آدميٍّ إلى آخر، وجدتُ في ما وجدتُ أنّ لكلٍّ نظرتَهُ فِـيّ وموقفه
مني. إنْ تذّكر موعداً أغفله، طرقَ كفّاً بكفّ وعبس في وجهي. وإن اكتشف أنه قَدِمَ
إلى عمله مبكّراً، لا يجد تسليةً سوى في فَركي بأصابع غليظة. وإن نسيني في وقت
حاجته لي، صفعني غير آبِهٍ بتوسّلاتي. قلّةٌ هم الذين أوْلوني عينَ الرضا، وتقبّلوني
كما أنا، وعاملوني باحترامٍ أظنني أستحقّه.
جُلْتُ
بين أيدي الكثيرين، إلى أن أصابَ مفاصلي التراخي. أما قلتُ لكم إننا نشيخ. هذا
أمرٌ نتساوى فيه معكم!
تكّة
فأخرى وإذ بي أُسَبّل عيوني، وعلى ما أرجّح غططتُ في السبات. ثمة هوّة زمنية في
تاريخي الشخصي لا أعرف عنها شيئاً. شريطٌ أسود وكفى! لا أحداث. لا وقائع. لا
ذكريات.
(6)
ها
إني وقد استفقتُ، يساورني شكٌّ:
هل
عشتُ حياةً أخرى!
أهو
تناسخُ الأرواح!
أغيبوبةٌ
أم مواتٌ ما وقعَ لي؟
المهمّ،
عدت أنبض، أعيد استكشاف عالمي من جديد. أظنّهالمكان نفسه الذي أغمضتُ نظرتي
الأخيرة عليه قبل السَّواد، وقفص الزجاج لم يتغيّر، لكنني أجلس القرفصاء، وكنتُ
أشعر أنني مركزُ الكون حين اختاروا لي في حياتي الأولى وضعيةَ الاسترخاء.
تتواصل
التكّات، تكّاتي، ولا "يعبّرني" أحد.
فطنتُ
أن مهمتي على أيّ حال، بلا نهاية. لن أموت قاعدةً، لن أتقاعد! يا لحظّي! تصوّروا
كم مؤلمٌ أن يفنى الكائنُ في العمل.. والثمن؛ أدفعه من حياتي!
الزمن..
الأزل.. الأبد.. المدى.. الماضي.. الحاضر.. المستقبل.. الانتظار.. الانقضاء..
كلها
لا تعني لي شيئاً، يا حسرتي، لا أحسّها، وحسْبي أن أعيشُها.
ما
معنى النهاية، ما البداية؟ لا مفهوم قارّاً لديّ حول ذلك، ولا أظنني سأحظى به في
وقت لاحق، هل قلتُ "وقت". نعم. أنا التي أمضي حياتي من دون به. الوقت. يا
لها من مفارقة. لستُ في آخر المطاف، سوى ساعة.. مجرد ساعة، تُضيع وقتها لتمنح
أوقاتكم معنى!



0 التعليقات:
إرسال تعليق