حكايات

الأحد، 7 ديسمبر 2014

المدينة في الشعر الفلسطيني المعاصر

[جبرا إبراهيم جبرا نموذجاً في ديوان المدار المُغلق].


محمد محمود البشتاوي
تمهيد:
تحتل المدينة مكاناً مرموقاً في الأدب المُعاصر، على المستوى العربي والعالمي، سواءً أكانَ الجنس الأدبي شِعراً أم نثراً، وذلك للدور الذي تلعبه المدينة في تشكيل وعي الأديب، وهذا يقودُنا إلى تناول الموضوع من زاوية محددة: تَشكل وعي الأديب بمحيطهِ _ المدينة كجزء _ يأتي تراكُميًّا، بعبارةٍ أخرى: تدرج الوعي المعرفي في الفترات الزمنية  لدى الأديب، هو الذي يقود إلى وصف وتناول المدينة في الأدب، وهذا لا يعني بالضرورةِ أنَّ الشاعر _ كتب ما كتب _  من خلال وعي مضبوط ومرصود تام لتتبع تفاصيل المدينة، وتناولها جغرافيًّا – سياسيًّا – تاريخيًّا – اجتماعيًّا..، حيث أنَّ العملية الإبداعية قَد تولد من تداعي ما في ذاكرة الشاعر، من ترسبات حول مرحلة زمنية معينة – كالطفولة مثلاً – ، أو ترسبات ذات أثر عميق في عملية التغيير والتَحوُّل أو التحويل (كتعرض المدينة لكارثة بيئية مثلاً، أو وقوعها تحت نير الاحتلال)، ولا يشترط ذلك أن يكون الأديب قد عاصر أو عايشَ الواقعة – الحدث، وباختصار نعني هنا ما يترسب في الوعي الباطني.
وإن كان الأدب العالمي _ بمعزلٍ عن الأدب الفلسطيني _ قد تناولَ المدينة من زاوية تاريخية – سياسية – اجتماعية – عمرانية..، أو انطلاقاً من منظور أيدلوجي، سواءً أكانَ التناول سَلباً أم إيجاباً، فإن الأديب والشعب العربي الفلسطيني يعاني _ بمعزلٍ عن العالم _ من عملية تطهير العناصر المادية للمدينة، وتحويل المدينة من مدينة تاريخية _ ذات أصالة وعراقة عربية _ إلى مدينة “إسرائيلية”؛ مدينة مسخ، نشاز عن مُدن العالم، حيث تُبنى وفق الاستراتيجية الصهيونية العسكرية، وذلك بتشكيل مدينة مكونة من مجموعة مستوطنات منغلقة على ذاتها – محاطة بالثكنات العسكرية، سَعياً وراءَ توفير أكبر قدر ممكن من الحماية والأمن، وهذهِ الاستراتيجية العسكرية الاستيطانية مُثبتة في الكثير من الدراسات العربية والعالمية.

[الإطار النظري]
الدراسات المماثلة:
1 الدراسات الفلسطينية:
 نستطيع أن نفتح باب الأسئلة فيما يتعلق بالمدينة والشاعر العربي الفلسطيني، فنقول مثلاً: الموقف الاجتماعي أو الاقتصادي، وهنالكَ من قامَ بهذهِ التغطية، ولم يَحصرها بالمدينة كمدينة، وإنما تناولَ من خلالها الجانب الاجتماعي، كما في أطروحة الدكتوراه للدكتور محمد عليّان، أو في تناول الدكتور عبد الرحمن ياغي “حياة الأدب الفلسطيني الحديث “  ...
إلا أننا نجد دراسةً تتناولُ القدس _ على وجه الخصوص _ في الشعر الفلسطيني الحديث، لـ الدكتور فاروق مواسي، تطرق خلالها الباحث إلى مكانة القدس في الشعر الفلسطيني والعربي، وأثر نكسة حزيران على الشعر – الذي تناولَ القدس –، النبرة “النوابية “_ نسبةً إلى مظفر النواب _ في الشعر _ يقصد بذلك عملية جلد الذات والتجريح الصريح من قبل الشعراء _، ورمز القدس دينيًّا وتاريخيًّا، ورمزية القدس كدلالة على التسامح الديني، المتمثل في التعايش الإسلامي المسيحي، ونقدم هنا أمثلةً من دراسة الدكتور مواسي حول التعايش الإسلامي المسيحي “المَقدسي “_ نسبةً إلى القدس _ في الشعر العربي ، مثلاً قول الشاعر العربي عمر أبو ريشة: [يا روابي القدس يا مجلى السنا  يا رؤى عيسى على جفن النبي]، وكلمات الشاعرين الأخوين الرحباني: [عيوننا إليك ترحـــل كل يوم / تدور في أروقة المعابد / تعانق الكنائس القديمة / وتمسح الحزن عن المساجد]، وقول الشاعر العربي الراحل نزار قباني: [بكيت… حتى انتهت الدموع  صليت.. حتى ذابت الشموع ركعت.. حتى ملني الركوع سألت عن محمد فيك وعن يسوع]، وهنالكَ العديد من الأمثل الأخرى التي تسير في ذات الطريق، حول التعايش الأخوي – الإسلامي المسيحي – .
 أما لو أردنا أن نفتحَ باباً آخر نطرح من خلالهِ السؤال التالي: تناول النقد الفلسطيني أو العربي للشعر الفلسطيني المعاصر؟؛ فإننا سنجد العديد من الدراسات والإصدارات التي تناولت الشعر الفلسطيني المعاصر _ أذكر ما منها _، دراسة الدكتور خالد علي مصطفى _ شاعر وباحث فلسطيني من العراق _، حيث تناولَ الباحث  المكان بوصفهِ نفيًا معنوياً وماديًّا للشعب الفلسطيني _ اللجوء والنزوح _، وانعكاسات ذاك على الأدب، في الداخل والخارج، وكيفَ أنَّ هذا التشتت المكاني سبب صعوبات حتى في تناول الدراسة.
إلا أنَّ الباحث تناول المدينة في شعر كل من فواز عيد، وجبرا إبراهيم جبرا _ على وجه الخصوص، كونهما شاعران تمثل المدينة لهما مركزاً في الشعر _  .
2 الدراسات العربية:
أما الدراسات العربية، فإننا نجد دراسةً لعبد الله رضوان من الأردن تناولت المدينة في الشعر العربي، وتطرق الباحث إلى الموقف الاجتماعي من المدينة، الموقف السياسي، العاصمة العربية، الرمز، المدينة وعلاقتها بابنها المناضل، المدينة صورة وصفية، المدينة الغربية في الشعر العربي الحديث.
وفيما يتعلق بتغطيتهِ لـ: الشعر الفلسطيني وعلاقتهِ بالمدينة، فالباحث اختزل الشعر الفلسطيني الحديث في الشاعر محمود درويش _ مع مقتطفات لشعراء آخرين بالطبع _، حيث يقول الباحث: “مع الحرص على متابعة أهم تجربتين شعريتين عربيتين حديثتين هما تجربة كل من محمود درويش وأدونيس“، وهي دراسة رصينة ومتقنة تستحق المتابعة.
ويورد عبد الله رضوان دراسات هي على الأغلب من القُطر العربي السوري، من ضمنها دراسة لحنا عبود [مورفولوجية المدينة في الشعر السوري] حيث يشير عبود في دراستهِ إلى الإحساس بالغربة لدى الشاعر الريفي، حين ينتقل من الريف إلى المدينة، مما يخلق حساسية اجتماعية، تتدرج زمنيًّا إلى حساسية سياسية تجاه المدينة، ودراسة أخرى للدكتور مناف منصور حول [المدينة في شعر أدونيس].
من الدراسات المحكمة دراسة الدكتور علي جعفر العلاق، تناول المدينة في الشعر عامةً، ثم تدرج إلى الدائرة العربية، وبعد ذلك تخصص في الحالة العراقية، وقد خَلُصَ العلاق إلى عدة نتائج، من بينها أنَّ ضيق الشاعر العربي بالمدينة (في أغلبه) يأتي من حنينهِ الأصيل للطبيعة _ أو حنينهُ إلى تاريخ المدينة: دمشق، بغداد، غرناطة.. _، ويرى الباحث أنَّ موقف العداء للمدينة هو في الأصل غير وارد لدى الشاعر العربي، وإنما تَأثر الشعر العربي الحديث بالشعر الغربي والفلسفات الغربية، مما جعل بعض الشعراء يتخذونَ موقفاً معادياً للمدينة، هو موقف غير أصيل، تقليدي على الأغلب، إلا إنّهُ لا يماثل أو يوازي عدائية المدينة لدى الشاعر الإنجليزي _ الأمريكي الأصل _  ت. س. إليوت  ، ويشير الباحث في ختام الدراسة إلى قدسية المدينة العربية تاريخياً، ويرى بأنَّ هذه القدسية من الأسباب التي وثقت العلاقة بين الشاعر العربي والمدينة .

3 الدراسات المترجمة:
أما الدراسات المترجمة فإنني أحيل القارئ إلى [لوركا: مجموعة مقالات مترجمة] ، وتم فيها تناول الخصائص الفنية في شعر لوركا..، والتطرق بأكثر من صورة إلى علاقة لوركا بالمدينة، وطقوس التضحية، وشعر الموت..، ونجد أيضاً محاولة لعقد مقارنة بين المدينة عند إليوت وعند لوركا [مع إشارة واضحة من قبل ريجارد سايز إلى أن شعر لوركا يجب أن يفهم كبنية كاملة لا تتجزأ، وليس كوعاء للأصول والتأثيرات، قاصداً بذلك عدم وجود هدف للدراسة حول إذا ما تأثر أو لم يتأثر لوركا بشعر إليوت].
وهنالكَ دراسة مترجمة [نظرية الرواية: مجموعة مقالات مترجمة]، عربها إلى العربية الدكتور محسن جاسم الموسوي، وتناولت”نظرية الرواية”، وما يهمنا منها:”المدينة والرواية“، حيث يَنْقل المترجم عن الناقد  جورج هنري رالي  رفض فكرة أنَّ الرواية هي”كائن مديني”انتسابا للمدينة، يسعى هنري من خلال ذلك التدليل على أنَّ الرواية هي مضادة للمدينة وترفضها، ويرى”أن الرواية تستحق أن توصف بدقة أكثر على أنها مخلوق إقليمي في الأغلب..”، فـ”بؤرة الرواية هي الإقليم والبلدة والقرية والمقاطعة في معظم الأحيان..”، مع استثناء محدود _ كما يرى هنري _ لدى بعض كاتبي الرواية مثل توين وهوثورن.
 هذهِ الدراسات التي استطعنا أن نصل إليها، ونقوم بعملية معاينتها، ومحاولة تقديم خلاصة أو ما توصلت إليه، ونأملُ أن نكون قد وفقنا في رصد دقيق موجز لهذهِ الدراسات.

[الإطار التطبيقي]:
جبرا والمَدار

مدخل:
المدينة في المدارِ المُغلق مُغلَّفة بِقشرةٍ من النَّقدِ، إن كسرنا الغلاف الخارجي سندخل إلى بوابة المدينة المأمول منها أن تنهضَ، لتعودَ بنا إلى الذاكرة المأهولة بالأمنيات الجميلة.
فإن كانَ جبرا في”تموز والمدينة”قَد اتخذَ موقفاً سلبيًّا من المدينة، كما يرى الباحث خالد علي مصطفى، وذلك بسبب إطلاعهِ على الأدب الغربي الذي يعادي المدينة بفعلها خطراً يهدد المدنية والمجتمع البشري، فإنَّ جبرا في”المدار المغلق”قد أغلقَ المشهد على تناقضِ رؤيتهِ؛ ينفر منها، ويدعو إلى احتضانها، هكذا يبدو للقارئ.
ومعالجة خالد علي مصطفى لجبرا والمدينة، في “تموز والمدينة”، كانَ بصفتهِ من كتبَ مقدمة ديوان”تموز والمدينة”، وكونه باحثاً، وصديقاً لجبرا، فنقلَ عن جبرا قولهُ”أنا شاعر مدينة”، أي الارتباط مع المدينة ليسَ حياتيًّا فقط، وإنما كمتتبع لها، سابحاً في فلكها، جاعلاً منها مرتكزاً في أدبهِ بشكلٍ عام.
ومما نقلهُ خالد علي هوَ أنَّ الشاعر _ أي جبرا _، في تناولهِ المستمر لشعر ت. س. إليوت، مع غيره من أدباء الغرب، تركَ بصمات غاية في السلبية تجاه المدينة، مع تعقيب خالد حول احتفاظ جبرا بالحب والمودة للمدينة الفلسطينية، التي تحتل مكاناً مرموقاً في أدبهِ.
من هنا فإنَّ منشأ السلبية في شعر جبرا تجاه المدينة يتمحور حولَ بندين:
الأوَّل: اطلاعهِ الواسع على الأدب الغربي.
الثاني: غربتهُ في المنافي، بينَ شرقٍ وغربٍ، وهوَ الأهم؛ إذ لم يجد ما يعوض لهُ حنينهُ الدائم إلى مسقط رأسهِ، أو بعبارة أخرى: الغياب القسري وَلَّدَ لديهِ حصانةً ومناعةً في رفض البدائل التي أتيحت لَهُ.
من هنا نستطيع فهم الراحل جبرا، وخصوصية المكان في أدبهِ، فبالإضافة إلى كونهِ “ياقوت”الفلسطيني، الذي جالَ وصالَ شرقاً وغرباً، ذهاباً وإياباً، فإنَّه فاقدٌ للمكان بشقِّهِ المادي؛ الذي فقد بفعل الاحتلال، والشِّق المعنوي؛ الذي يمارس دور الضغط على وعيهِ، وعي الطفولة، الأصدقاء، الملاعب، الأديرة والمساجد والكنائس والرسومات والتحف..، الحياة الاجتماعية والسياسية...
كلُّ هذهِ أسباب كافية لجعل الأدب الفلسطيني يَزخر بالمكان، فنحنُ نَجدُ أنَّ جيل ما بعد النكبة من الشعراء، حافظ – ويحافظ على دِفء وعبق المكان، المكان ولو كانَ بعموم وصفهِ، وليسَ بخصوصيتهِ، ولمن أرادَ الدَّليل، فلهُ أن يراجع الكثير من شعر هذا الجيل، الذي حرمَ من رؤية وطنهِ وأرضهِ.

*
كسر “المدار المغلق “والانفتاح على النَّص:
سِمة نص جَبرا الشِّعري أنَّهُ يغوص في المضمون (المعنى) على الأغلب، مع عدم اكتراث للإطار – الشكل، إلا ما جاءَ وفقاً لما تقتضيه العملية الكتابية في الشعر.
ومفردة”المدينة”تكاد تكون ذات حضور مكثف، وحضورها لا يكون بِزَجِّها”هكذا”، وإنما لِوصفهِ لها، فبالتالي حضور المدينة كانَ وصفيًّا، يَصِف ملامحها؛ شوارعها وأماكنها، ناسها؛ الرجال، النساء، الأطفال..، رموزها بشكلٍ عام؛ القسيس، المؤذن...
ولم أجد جَبراً واضِحاً ليقول صراحةً بالهوية الاسمية / أو التاريخية للمدينة، فلا يقول يافا – حيفا.. بغداد – دمشق..، أو كنعان / الكنانة / سومر / جلق..، وإنما وَصْف كما سبق، ولكن بيت لحم كانَ لها أن تظهر كعنوان في قصيدة، دون ذكرها في مضمون هذهِ القصيدة.
وفي متن النص الشعري، نستطيع تشريح جسد المدينة؛ الفاجرة / المؤمنة، الحاقدة / المتسامحة، المظلمة / المشرقة، الضعيفة / القوية..، وهذهِ الثنائية، أو الازدواجية ليست شكلية، أو عملية توازن يريد من خلالها جبرا السير على الحبلين، وإنما اكتظاظ صور المدينة في مخيلة الشاعر.
يوميات المدينة – الوباء:
من أجل حصر قصائد الديوان التي تناولت المدينة في المدار المغلق، نجد أنَّ الشاعر تناول المدينة في ست قصائد من أصل خمسة عشر قصيدة في الديوان، وهذا الحضور الملفت يقود القارئ إلى الخريطة المتشعبة للمدينة التي يرسمها جبرا، حيث البداية تكمن في قصيدة”يوميات من عام الوباء – ص 19”، وهي قَصيدة على شكل مُتوالية، أو فصول، تبدأ من خَبرٍ يَنتشر حولَ الوضع المزري للمدينة وأهلها "الحفاة الضاحكون، والعراة المهرولون على الأرصفة”، أما المدينة فهي مستلقية على ظَهرها”تمجُّ حِقداً لعشاقها..”، وهكذا تظهر الصورة في المقطع الأول من القصيدة سوداوية، تصور الأوضاع بِمنظور رمزي خاص، ولكن هذهِ السوداوية تقف عندَ حَدِّ الوضوح عندما يُباشر الشاعر بالقول:
”لكنني بشوارعٍ خضراءَ كنتُ أحلمْ
وأطفالٍ يتراكضونَ فيها
ووجوهٍ كالشموسِ الضاحكات
كوجوهِ العاشقينَ بللها هَمْيُ المطرْ
وإذا أنا الذي لا أبكي إلا للجميلْ
أبكي للطرقات التائهات الآن
لا طفلَ يركض فيها
شعاعُ الشمسِ جافاها
والشفاه لا تنطقُ فيها …”
[المدار المغلق، جبرا، يوميات من عام الوباء،  المؤسسة العربية، ص 21].
هذا المَقطع الأوَّل من القصيدة، وهوَ بلا شك يشير إلى المُتَخَيَّل لدى الشاعر، وإلى واقع الحال، الواقع الذي تَمَ مَسخهُ، وتهميشهُ، ليكون على ما هوَ عليه من”عراة، وحفاة،.. وتشريد”، وكانَ المُتَخَيَّل لدى الشاعر هوَ حقيقة، فالصورة المشرقة كانت موجودة ولكن تمَّ طَمسها...
في المقطع الثاني لا يغير الشاعر من التصوير السلبي، وإنما يرى:
”وهكذا ذقت طعمَ الموت
وإنْ لم ترتل الأجواقُ مراثيها
في الكنائس، ولم يقرأ
المقرئ الأعمى في الرواقْ
نصفٌ على نصف،
حتى وجهكَ انشقَ شقينْ،
شِقٌّ يعضُّ شقاً،
أيتها المدينةُ تبكي
في زواياها النساء
ويبصقُ الرِّجالُ حقداً على الأرصفة،
والتحيةُ يلفظونها كالشتيمة”
[المدار المغلق، جبرا، يوميات من عام الوباء، ص 22 – ص 23].
في المقطع الثالث الذي يتحدث فيهِ الشاعر عن أرضِ أبيهِ التي حَرثها بأظافرهِ، يتساءل تساؤل يُحيلنا إلى الموروث الشعري العربي، حيث المعري يتساءل بأيِّ ذَنبٍ أتى، كي يكون على ما هوَ عليه، الشاعر _ جبرا _ تساءل  في ذات المنحى، ولكن من زاوية أخرى، ورؤية أخرى سنعرج عليها في حينهِ، حيث يقول جبرا:
“رُحماكَ أبي، من أيِّ أرضٍ أيِّ كرمٍ جئت بي
لأيِّ جدبٍ، أيِّ عقمٍ، أي نقعٍ مرعبِ”
[المصدر السابق، ص 25].
الأزمة هنا أزمة مكان، والمكان وجود، لذا فهي أزمة وجودية لدى الشاعر، حول”ما كان”، و”ما عليه الآن”، وهوَ ما يُفسر الصورة القاتمة للمدينة في السابق، وأنها بهذا السواد، لأنَّ الشاعر انتقلَ من”الأرض، الكرم”، إلى”الجدب، العقم، النقع المرعب”، وقد يكون المكان الذي أتى إليه الشاعر زاهر، وذا تاريخ وحضارة، ولكن العملية أعمق من هذا التسطيح.
في تتالي المقاطع، الرابع، يصف الشاعر الجريمة، أو الإبادة الظاهرة للعيان، ولو ترجمة هذهِ المقطوعة الشعرية إلى الإيطالية لقالوا الشاعر يقصد الفاشية، ولو ترجمة إلى الألمانية لقالوا النازية، ولو ترجمة إلى الهنود الحمر لقالوا المهاجرين الجدد، أما ما يَقصده الشاعر، هوَ الإبادة الصهيونية التي تجتمع بها جرائم الإبادة والتطهير، حيث القتل في وضح النهار:
“في النهارِ نراهم
على الآلةِ الحدباء يحملون،
وفي الليل البغايا وحاملو القوارير
يهيئون الحشيشَ لساعة.”.
[المصدر السابق، ص 26].
والقتل المُمارس لا رحمةَ فيهِ، حيث:
”في الزقاق يبقرون نساء دُعْجَ العيون
تضمِّخ الحِنَّةُ منهنَّ شَعْرا وأظافر.
وتسعُ جِيَفٍ مبيضَّة قد جلست
حول مائدةٍ عليها نقود وورق.
وحول الزقاق لا سهل ولا جبلْ:
أرضٌ من رصاص،
تتهرأ الأقدام عليها
وتتهرّأ الأفخاذُ والأرداف.”.
[المصدر السابق، ص 26 – ص 27].
وبعد؛ فإنَّ الصورة السابقة التي صورها الشاعر تختفي في المقطع الخامس، المقسم بدورهِ إلى مقطوعتين، نرى الإشراق والأصالة الفلسطينية للمدينة في المقطع الأول، حيث يبدأ الشاعر بـ”المغارة في ظاهر المدينة”، وكما نعلم بأنَّ المسيح الناصري عيسى عليه السلام آوتهُ أمّه البتول مريم عليها السلام في مغارة موجودة في الناصرة، وهوَ ما أكَّدهُ الإسلام، وما سَبقَ وتناولتهُ المسيحية، حيث يقول الشاعر:
“في مغارةٍ في ظاهر المدينة
ينبوع ماءٍ يفيضُ دوماً
أنجما،
من غورٍ لغورٍ كالصدى
يفيضُ دوماً
أنجما.
ذاتَ يومٍ جاء هنا
غريبٌ هاربٌ بحبيبتهِ،
هارباً
من الشفاهِ الصائتةِ
في الظلام
ومن الوجوه المستعارة
كل عينٍ فيها سَعَةِ المغارة
والموتُ لديها
وليدُ النصلِ أو السأم”
[المصدر السابق، ص 28 – ص 29].
وصولاً بالشاعر إلى وصيَّة، يقول فيها:
”اسكب الدمعَ يا نبعَنا
وسطِّر الأرض بحبنا”
[المصدر السابق، ص 29].
أما المقطوعة الثانية من المقطع الخامس، فهي تبدأ بـ “في كلِّ جانحةٍ من المدينة / مدبرةٌ تتوالد القناصةُ فيها..”، فهي أقرب إلى وصف المدينة الفلسطينية المعاصرة، حيث يذكر الشاعر “الصرخات التي تتوالى، وحمامات الدم، والأشلاء المقذوفة في الطوفان، وينابيع دم،..”، وصولاً إلى وصية مختلف عما سبق، من حيث مصدرها، حيث:
“وجاء صوتٌ من الأصوات القتيلة:
اسكبوا الدمع من قلبنا
وضرجوا الأرض بحبنا
أين السراةُ الضاحكون في ليل المدينة ؟”.
[المصدر السابق، ص 29].
وهي وصية تأتي من الضحايا تدعو إلى المحافظة على الأرض، والوفاء لها، وعلى ضرورة الاستمرارية حتى تعود الإشراقة، والأصالة المطلوبة، حيث المقطوعة الأولى / الوصية الأولى:
“اسكب الدمعَ يا نبعَنا
وسطِّر الأرض بحبنا”
[المصدر السابق، ص 29].
في ختام اليوميات / المقطع السادس، سبقَ لنا عقد مقارنة بينَ الشاعر العربي أبو العلاء المعري وبينَ الشاعر المعاصر جبرا، حيث أبو علاء تساءل عن الذنب الذي قذفَ بهِ أعمى إلى الحياة، وأنه لن يجني على أحد كما جنى والدهُ عليه _ كما يرى _، فإنَّ الشاعر جبرا يقلب هذا التصور في نهايتهِ، حيث تساءل عن سبب أو ذنب قذفهِ “إلى الجدب / العقم / النقع”، لكنه كي لا يَجني على أولادهِ يقول:
“أقول لأولادي:
من الجوع لا موت.
إنما الموت الرهيب هناكَ
حيثما وجدتم نِطاقاً أصَم.
اشربوا الماءَ أحراراً ولا تنشقوا
إلا شَميمَ الشُمِّ من القممْ”.
[المصدر السابق، ص 32].
وأولاد – أبناء جبرا، هُم الجيل الفلسطيني الذي سيليه، وليسَت العملية اقتصاراً على العائلة، أو أبناء العائلة، كون القصيدة تتناول الشأن الفلسطيني.
لعنة المدينة:
الديوان بقصائده التي تناولت المدينة، يتباين من حيث التناول، لذا فإنَّ بعض القصائد تناولت المدينة باقتضاب، دونَ أن تبحر في يمِّها الرحيب، وعليه فإنَّ الإشارة التي يتركها جبرا هنا أو هناك، لا تكفي لرسم ملامح كافية للمدينة، وإنما تترك علامات استفهام، مثلاً يقول في نهاية قصيدة”غريب على العَين”:
“وغريبٌ في وجهه غمازتان، في شعره
طعم البيادر،
 وفي فمه صيف الكروم،
راح يغمس قدميه في السيل
ويصيح: لمن خيولُ الليل هذه ؟
لمن، لغريبٍ حوَّل الليل دوائرْ
وقبل إكليل الشوك حتى
جنت الليل والخيل وساعات المدينة كلها”.
[المصدر السابق، غريب على العين،  ص 35 – ص 36].
لا شك بأنَّ هذا الغريب، الريفي بوصفهِ، الذي قبلَ إكليل الشوك بدلاً من الغار أو الورد، وصولاً إلى تحويل الوقت إلى دوائر وعلامات استفهام، وإلى خَبْلِ خيولِ الحرب، وليل الحرب، وساعات المدينة كلها، هوَ الفلسطيني – الثائر / الفدائي، ولكن هذهِ اللمحة السريعة لا تعالج لُب موضوع المدينة الذي نرمي إليه، فهنالكَ لعنة يَجب تناولها، وبعدها نختم حول جبرا والمدينة، هي لعنة “بروميثيوس “ ، فمن هوَ ”بروميثيوس “  هذا، وما هي لعنتهُ يا جبرا ؟!.
لعنة بروميثيوس:
وَظَّفَ شُعراء الحداثة العرب _ الأوائل ومن جاءَ بعدهم _، رموز التراث العالمي الأسطوري في بنية الشعر، إلى درجة تصنيف العديد من المؤلفات والدراسات حول توظيف الأسطورة ورموزها في الشعر، وأكثر ما تَمَّ الاتكاء عليه من قبل شعراء العرب أساطير اليونان _ الإغريق _، وكانَ بَعضاً من هذا الاتكاء يسقط كونهُ يستند على حائط هش في البناء الأسطوري، أذكر بأنَّ العديد من الشعراء يَزج ثلاث أو أربع رموز أسطورية في فقرة شعرية مكونة من ثلاث أو أربع سطور، وأحياناً تكون الرموز متناقضة، تناقض الأسود والأبيض، مما يقود إلى عكس ما يريده الشاعر.
بروميثيوس الإغريق؛ هوَ شخصية مزيج من تركيبة فوقية ودنيوية، خالدة وفانية، كما تشير الأسطورة ذاتها، حيث أنَّ بروميثيوس قامَ بفعل تمرد أو عصيان على كبير الآلهة، “زوس / جوبيتر”، وذلكَ بمنح البشر شعلة النار، التي سرقها من أجل رفع البشر من الظلمة إلى النور، ولكي يوظفوا النار في خدمة مصالحهم؛ الأكل، الإنارة، الحماية من الوحوش، التدفئة، وهذا ما أغضبَ الآلهة، وجعلها تصلب “سارق النار: بروميثيوس “على صخرة، ليأتي صقر بمنقارهِ ويلتهم كبد سارق النار، وكلما زالَ كبد السارق استبدل بآخر، وهكذا عذاب أبدي إلى ما لا نهاية، إلى حين قدوم المخلص هرقل، وهوَ من البشر الجبارين، حيث يحرر بروميثيوس من لعنة جوبيتر “زوس”، وهنا تنتهي المأساة.
وفي نظرة أخيرة وسريعة حولَ هذهِ اللعنة والقصة الأسطورية، نجد بأنَّ الإنسان الإغريقي أرادَ تفسير الكون، الظلام والنور، النار، انتشار الأمراض، الطوفان..، فذهبَ إلى هذا الخيال، محاولاً تفسير ظواهر الطبيعة، ومنها وظفَ الشعراء الرموز الأسطورية في بنية الشعر، فنجد باندورا التي نشرت الأمراض، وسيزيف المعذب بدحرجة الصخرة إلى الأعلى _ التي تهوي دونَ هوادة إلى القاع _،  وهرقل البطل والمخلص … الخ، وهي رموز موجودة في الشعر الفلسطيني المعاصر  .
بروميثيوس الفلسطيني:
لدى جبرا هنا التصوير ينتقل من “جوبيتر “إلى الجنرال الآمر الناهي، ومن الصقر المحلق إلى الصقر المرفرف على كتف صاحبهِ مكسورَ المنقار، ومن هرقل إلى تحدي وصمود المدينة وأهلها، ويبقى بروميثيوس هوَ الفلسطيني الصامد، الذي كَسَرَ مناقير الصقور، حيث لا حمائم في القصة الشعرية التي يصورها جبرا.
يقول الصقر منكسر المنقار:
“واللعنةُ يا سيدي ؟
رأيتُ المدنَ على السواحلِ
مليئةً بالشظايا
وفي الجبل الشظايا
وفي الحقولِ
مكانَ القمحِ قد زرعوا الحديد.
لمجدنا يا سيِّدي
أمطروا السفوح موتاً،
والمدافعُ تتضاغى في صداها الكهوف.”
[المصدر السابق، لعنة بروميثيوس، ص 64].
نلاحظ بأنَّ الصقر هنا يرمز إلى الجندي الصهيوني المُرسل إلى مهمة من قبل قائد الإرهاب في الجيش الصهيوني، وقد عادَ مليئاً بالخيبةِ والفشل، حيث المدن، الحقول، المواطنين، قلاعاً يَصعبُ اختراقها، لذا نجد في الرد التالي، الذي يطرحهُ الجنرال، ضعف الآلة العسكرية الصهيونية في تحقيق أهدافها، رغد الأساطيل التي تسندها، لنقرأ:
”لمجدنا “، قال الجنرالُ
ملوحاً ببراثنهِ،
سننسفُ البيوت،
ونصدع الصخور، صخور التلاعِ
الواقفات في مجاري الشمس،
نخرمها حتى الحشا”.
[المصدر السابق، لعنة بروميثيوس، ص 64].

لنرى ماذا يجيب الصقر – الجندي:
“واللعنةُ يا سيدي ؟
خرمتِ العيون والقلوب
في العواصم والقرى
نهشت الأرض في الجنوب
وفي الشمال.
لمجدنا، يا سيدي،
ألف صقرٍ مات
وفي منقاره كبد بروميثيوس
كالحجر،
وبروميثيوس لا يموت.”.
[المصدر السابق، لعنة بروميثيوس، ص 64 – ص 65].
وعلى ذات النسق تسير القصيدة، حيث بروميثيوس الفلسطيني، يقاوم ولا يقنط، ويبقى كالصخرِ تنكسر عليهِ مناقير الفولاذ والحديد، وقوتهُ تأتي من شرعية أرضهِ، المدينة والقرى، السهول والجبال، الزرع والترع، القلاع والتلاع..، كلها عناصر ترد في القصيدة التي جسدت المدينة الفلسطينية المعاصر، وجسدت ابن كنعان على صورتهِ المشرقة والنيرة كالشمس.
جبرا ختامٌ لا ينتهي:
قد تكون نهاية الموضوع بداية جديدة في أدب جبرا، ولكن ما عليه الحال في هذهِ النافذة، أنَّ جبرا رصدَ بالإضافة إلى المدينة، تنوع البيئة الفلسطينية، وإن لم يصرح بذلك، حيث الحقول، والقمح، والسواحل، والناس..، الشوارع، الأزقة، المآذن والكنائس، والتراتيل والأجواق..، فهذهِ التفاصيل بحاجة إلى عملية رصد.
وإن كانت المدينة مظلمة في أجزاء من أرض القصيدة لدى جبرا، فهي مُظلمة لأسباب لا داعي لسردها من جديد، ولكن الصورة المشرقة في المدينة الشعرية لدى تمثلت في ركام ذكريات الطفولة، يقول جبرا في ديوانهِ (ص 39): “صبياً كنتُ أقتاتُ على الألحان / تصعد في الغياهب كالنوافير، في الكنائس، في الأقبيةِ، في الخرائب. / بهذا الدفق اغتسلت وكلي غبارٌ وظمأ.”، هذا الدفقُ العذبُ الذي يرويهِ جبرا يكفي لكي يرتبط شعرهُ بالمدينة، وليسَت العملية فقط في التأثر بشعر ت. س. إليوت، أعتقد بأنَّ العملية أعمق من تأثر بشاعر آخر.

نشرت العام 2008

0 التعليقات:

إرسال تعليق