فركوح
في حوارٍ مع مجلة الجوبة:
القصة
القصيرة ليست جسر عبور نحو الرواية
عنوان كتاباتي، مثلما هي كتاباتي نفسها، تنسجمُ مع
هُويتي التي أعتقد بأنها مغايرة لغيري من الكُتّاب
اللغةُ كائنٌ محسوس حين أخوضُ فيه كاتباً نابذاً لمألوف
المفردات في سياقات جُمَلها وتركيباتها
حاوره
في عمان: محمد محمود البشتاوي - مجلة الجوبة
يَكســر
إلياس فركوح، القاص والروائي الأردني، حاجز المتوقع، ليذهب بنا نحوَ عوالم تجربتهِ
الغنية بتفاصيل تتصل بواقعهِ الفائض بالأمكنة والأحداث، بدءاً من الحروف الأولى،
وطقوس ولادتهِ مبدعا دشنَ سماء السرد العربية برواياتٍ وقصصٍ، تميزت بمضمونٍ
إبداعيٍّ يُطلق في هذا السائد الدهشةَ ومتعةَ القراءةِ.
فركوح
الموزع بين القصة القصيرة، والرواية، والنص المفتوح، والشهادة، والنشر، المتوازن
في معالجته للواقع بين العام والخاص، والحائز على جائزة البوكر العربية عن روايته
"أرض الليمبوس"، يرى أن الرواية العربية لم تشكل إلى الآن "هُويةً
خاصّة؛ اللهم سوى لغتها العربيّة، ومناخاتها الاجتماعيّة"، ويتساءل في معرض
إجابته "هل من اللازم أن يكون للرواية العربيّة هُويةً مخصوصةً في زمن
التلاقح والتداخل المعرفيين والثقافيين وما ينتج عنهما من مشترَكات تدخل في الِبنى
المكوّنة للأشكال الأدبيّة؟!".
"مجلة
الجوبة" التقت المبدع إلياس فركوح، المولود في عمان سنة النكبة من عام 1948م، والمتنقل في
تعليمهِ بين ربوةِ عمون والقدس، والذي أنهى تعليمه بالحصولِ على بكالوريوس في
الفلسفة وعلم النفس ، من جامعة بيروت العربية، حيث أستهل الحوار معه بسؤالهِ عن الحروف الأولى، أولى الكلمات، وكيف كانت طقوس ولادتهَ مبدعاً،
فأجاب:
أذكرُ
أنَّ حروفي الأولى كانت مجرد خربشات بلا غاية تسعى وراء معنىً ما. مجرد استجابة
لقلق المراهقة. المراهقة مرحلة تجتاح أعمارنا جميعاً تتمثّل بعاصفة من الأسئلة
الكبرى نتوهم أنَّ بمقدورنا الإجابة عنها! أسئلة من نوع: لماذا نحن، وإلى أين،
وماذا بعد؟ إلخ. ولم أكن لأنجو من هذا، فأنا إبنٌ طبيعي وشَرعي لتلك المرحلة،
مثلما أنا إبنٌ شَرعي وطبيعي للبيئة الاجتماعيّة وظروفها الحياتيّة آنذاك،
وبالتالي كانت أسئلتي تهبطُ، مع مرور الوقت، من عليائها الفلسفي الوجودي الأكبر من
قدراتي، لتكون أقرب إلى أسئلة الواقع الذي اتخذ لنفسه ملمحاً سياسياً أساسياً.
لم
تكن أسئلة العيش، بمعنى صعوبتها بسبب الفقر أو اضطهاد البيئة من حولي، هي أسئلتي –
خلافاً للعديد من كُتّاب جيلي-؛ إذ كانت عائلتي ميسورة الحال بالقياس إلى معايير
تلك الفترة. ربما كنّا نقع في الوسط داخل ما يُسمّى (الطبقة) الوسطى، مما وفّرَ لي
ولبقية أخوتي تعليماً في المدارس الخاصّة (وهذا شكّلَ امتيازاً)، وخيارات أوسع في
ما بعد.
أما
عن المكان، مكان الطفولة، فلا تخرج ذاكرتي بغير صوّر الأحياء التجاريّة الشعبيّة
في وسط عمّان حيث كُنّا نسكن، اسوة بغالبيّة الناس في ذلك الزمن؛ فلقد اختلطت
المِهَن بحوانيت التجارة بالمراكز الحكوميّة بالأسواق الشعبيّة بكافة مستويات
أهلها بالمساكن العائليّة. لم تكن المدينة خاضعة للتنظيم الحديث الذي نعيشه الآن،
والذي يخصص مجالاً للسكن وآخر للخدمات بحيث باتَ من الصعب الخلط بينهما؛ فهذا حيٌ
سَكَني، وتلك منطقة تجاريّة، وهذه خاصة بالصناعات الصغيرة والحِرَف بعيداً عن
التماس السلبي بالمناطق والأحياء الأخرى.
يبقى
أن أقول بأنَّ محاولتي الجادة التي تمتعت بقدرٍ ما من النضج تمثلت بكتابة قصة
قصيرة عن شخصيّة مأزومة بسبب نكسة حزيران 1967 في السنة نفسها، ويمكن الرجوع إلى
تلك الفترة في غير حوار تضمنه كتاب "لعبة السرد الخادعة: حوارات مع إلياس
فركوح" الذي حرره وكتب مقدمته الذكيّة الصديق جعفر العقيلي، وكذلك في كتابي
"أشهدُ عليِّ، أشهدُ علينا".
ماذا تقول في صناعة العناوين التي تتقن؟ فما أن تنحت عنواناً جديداً في
فضاء الإبداع حتّى تصعق الذهن بما هو مدهش ومغاير عمّا هو سائد؟
لكّل
عنوان حالته الخاصّة، وعادةً ما يجيء مولوداً من صُلب المتن الروائي، أو حاملاً
للمناخ العام المشتمل لنصوص مجموعة قصصيّة. في الغالب تتسمّى مجموعة قصصيّة باسم
إحداها، وأحياناً أجترحُ عنواناً آخر لعدم عثوري على ما يلفت في أسماء القصص في
الداخل؛ كما فعلتُ في مجموعة "الملائكة في العراء"، و"حقول
الظِلال"، و"شتاءات تحت السقف"، و"ميراث الأخير".
يشكّل
العنوان، في نظري وكما اصطلح النُقّاد، العَتَبَة الأُولى التي تُفضي بالقارئ إلى
داخل النصّ. لا يكفي أن يتحلّى بالمعنى الشمولي، مثلما لا يجوز الاكتفاء بجماليته
وتضمنه لشحنة من الإيحاءات لحالات ليست متوفرة في الداخل. العنوان خطير! ينبغي على
الكاتب أن يأخذ بالاعتبار، وفي المقام الأول، ذكاء القارئ، إضافةً إلى تحليه
بغَرَابةٍ ما تبعث على التساؤل وتفضي إلى أكثر من استنتاج. يشكّلُ العنوان، في
ذاته، وبحسبي، نَصَّاً مكتملاً بمعنىً ما. ولهذا؛ فإنه يتطلبُ خبرةً وحساسيّةً
وتوازناً واحتراساً؛ إذ هنالك عدداً من المستويات في الوعي الأدبي والدرجات في
الذائقة الفنيّة بعدد القُرّاء المفتَرَضين، يجب أخذهم بالحسبان.
أما
عن المغايرة؛ فأرجو أن يكون ذلك صحيحاً. فأنا لستُ سواي حتماً. وعنوان كتاباتي،
مثلما هي كتاباتي نفسها، تنسجمُ مع هُويتي التي أعتقد بأنها مغايرة لغيري من
الكُتّاب.
هل تحولت الرواية إلى ديوان العرب؟ وهل هنالك هوية للرواية العربيّة؟.
أشرتُ
في غير موضعٍ إلى أنَّ الرواية باتت، لدى فئات واسعة من القُرّاء والمثقفين
والكُتّاب ودارسي علم الاجتماع، وبمعنىً معيّن، إلى مُدّوَّنة حديثة لمجريات
الحياة العربيّة تسجِّل الأحداث من زوايا جديدة ليست هي الموافقة الكُليّة، وليست
المعترضة كُُليّاً، وليست هي الحاذفة للبشاعات والتشوهات، أو تلك المضفيّة عليها
أفضالاً وجماليات مزعومة. الرواية، ولأنها (بانوراما ذاتيّة) تتشكَّل وفقاً لرؤيا
ذات كاتبها/ كاتبتها؛ فإنها التدوين الأدبي المتحلّي بفنيات الكتابة ذات التجنيس
لعلاقة التفاعل - الكاملة أو الناقصة المضروبة – لإنسانٍ عربيٍ بعينه لتاريخٍ
ومجتمع معيشان كان لا بُدَّ من تسجيله وتوثيقه.
كان
الشِعرُ تاريخنا العربي، في جزء كبير منه، أو تاريخ حياتنا العربيّة، موزوناً
مُقفّى، ولكن بحسب أنساق وموضوعات ذاك العصر: راثياً، ومادحاً، وهاجياً، وباكياً
على الأطلال. وبحسب منظور ذاك العصر أيضاً (هي عصور على أي حال) كان تاريخاً يتصفُ
بالمبالغة غالباً، وبالتزوير والتحريف أيضاً. حتّى الحُبّ؛ كان حُبّاً مبالِغاً في
عِفته المزعومة، طامساً لحقيقة الاشتهاء الحِسّي وطاقته الدافعة للشاعر لأن يُلقي
على الملأ ظاهرَ الحالة باحتشام، ولنفسه الباطنيّة يهمس بالاحتراق اللاسع!
لذلك؛
أقول بأنَّ الرواية هي التدوين (وأشدد على أنها تدوين، بمعنى أنها كتابة
وليست شيئاً آخر، صوتاً كالشعر مثلاً) يصيرُ من خلالها إيصال وجهة نظر صاحبها، أو
مجموع أسئلته، لآخرَ مجهول لكنه مُفْتَرَض، ليس مرئيّاً ومباشراً بحيث تَحولُ
الأُلفةُ المفقودة دون الصراحة في التصريح. كما أنها كتابة تتطلبُ في الجانب
الثاني منها، أي القراءة، درجةً من التخصص والتعمُّق والذائقة وخبرةً في النوع
الكتابي من دونها جميعاً تبطل فاعليّة العمليتين: الإرسال والاستقبال!
من
خلال الرواية، كما الحال مع صنوف الآداب المكتوبة الأخرى، تتحاور الكائنات
البشريّة/ الاجتماعيّة تحاوراً عن بُعْد! لكنه التحاور الحميم، والصادق، وغير
المسدود بأي حواجز يخلقها واقع ووقائع ما هو خارج النَصّ. فعلى أرض الكتابة نمتلكُ
قدراً كبيراً من حُريّة التعبير عن أسرار أسرارنا، وعليها أيضاً نمتلك ذاك القدر
من حُريّة المشاركة والتأويل على نحوٍ ليس له مثيل على أرضٍ أخرى على الإطلاق!
إذا
صادقتُ على المأثور القائل بأنَّ الشاعر العربي القديم كان ينطق بلسان الجماعة؛ إذ
هو ناطقها الإعلامي، أو ضميرها الجمعي!؛ فإنَّ الروائي العربي لا ينطق بغير لسانه
هو. لم يعُد الفنان/ الكاتب بمعناه الحقيقي في زماننا يتماهى مع الجماعة وينوب
عنها في قول ما تريد. باتت مكانة الفرد، داخل الفرد، هي محل التقدير والاحترام
والأخذ بالاعتبار، وليس العكس.
بتواضع:
لم أجد حتّى الآن هُويةً خاصّة للرواية العربيّة؛ اللهم سوى لغتها العربيّة، ومناخاتها
الاجتماعيّة. أما أن نذهب أبعد ونزعم بوجود هُوية مفارقة تقف بلونها المختلف إلى
جوار رواية أميركا اللاتينيّة مثلاً (وهذا بحاجة لتدقيق أكبر، إذ ليس هنالك
"ماركة" واحدة تجمع الروايات الطالعة من هناك؛ اللهم سوى مرجعيتها
القاريّة)؛ فإننا نكون تقفز عن الحقائق. ثم؛ هل من اللازم أن يكون للرواية
العربيّة هُويةً مخصوصةً في زمن التلاقح والتداخل المعرفيين والثقافيين وما ينتج
عنهما من مشترَكات تدخل في الِبنى المكوّنة للأشكال الأدبيّة؟!
يُقال إن القصة القصيرة هي تمرينٌ كتابي للدخول إلى عالم الرواية. إلياس
القاصّ والروائي، كيف ينظر إلى هذه المقولة؟
قد
يكون الأمر على هذا النحو لدى بعض كُتّاب القصة القصيرة الذين انتقلوا منها إلى
كتابة الرواية. غير أنَّ هذا لا ينطبق، بالضرورة، على كُتّابٍ آخرين زاوجوا في
نتاجاتهم وجمعوا بين القصة والرواية، ويمكن بسهولة ضرب الأمثلة على ذلك: ماذا عن
أرنست همنغواي، ونجيب محفوظ، وإيتالو كالفينو، ويوسف إدريس، وغونتر غراس، وغابرييل
غارسيا ماركيز، ومحمد خضيِّر، وجنكيز إيتماتوف، وهرمان هيسه، وتوماس مان، وترومان
كابوت وأنيتا ديساي، إلخ؟ ماذا عن عدد من هؤلاء وآخرين كتبوا الروايةً أولاً
(كنجيب محفوظ، وغونتر غراس، مثلاً) وانتقلوا بعدها للقصة ليعودوا للرواية، وهكذا؟
ما
أريد الوصول إليه، هو أنَّ لجوء الكاتب إلى جنسين كِتابيين سرديين، وبحسب تجربتي
الشخصيّة، ككاتب وقارئ، لا يكون إلاّ وفقاً لسياق التجربة الحياتيّة والخبرات
المتحصلّة له نتيجةً لذلك. أما إرسال القَول على عواهنه كأنما هو قاعدة ذهبيّة؛
ففي ذلك مجافاة للوقائع الموجودة فعلاً داخل التاريخ الأدبي والسِيَر الذاتيّة
للكتّاب، إضافةً إلى الاكتفاء الفقير بالشائع من دون تمحيص أو تدقيق، والذي يقارب
الإشاعة في خاصيّة الجَهْل.لأننا، وببساطة، ماذا سيكون جوابنا عن السؤال معكوساً:
هل الرواية تمرين للدخول إلى القصة القصيرة؟ وأنا هنا أشير إلى أعلامٍ في الرواية
كتبوا القصةَ فيما بعد.
باختصار:
القصة القصيرة ليست جسر عبور نحو الرواية. ليست شأناً سهلاً بالمقارنة مع الرواية
ليجوز اعتبارها "تسخيناً واستعداداً" لدخول المعترك الأصعب! لكّل جنس
كِتابي صعوبته وحساسيته ومآزقه، مثلما له جمالياته وسلاسته ومخرجاته الخاصة. كما
أنَّ لكّل كاتبٍ حالاته التي تُملي عليه الكتابةَ في جنسٍ معيّن، مثلما أنَّ لكّل
حالةٍ جنسها الذي تتطلبه دون سِواه.
ماذا تعني لك جائزة البوكر العربيّة بعد أن كنتَ ضمن القائمة القصيرة عن
رواية "أرض اليمبوس" في دورتها الأولى؟ وماذا يعني لك اختيار رواية
"قامات الزبد" ضمن أفضل 100 رواية عربية؟
شأني
في ذلك شأن جميع الكُتّاب الذين تصيبهم الفَرْحَةُ عند حدوث أمر كهذا. الفرحة
والاندهاش في الوقت نفسه. يفرحون عندما يصير لأعمالهم أن تنال التقدير والتنويه
النقدي الإيجابي، إضافةً إلى الإحساس بالرضا كون جهدهم الموصول على امتداد عقود لم
يكن غِناءً فردياً ومتوحداً بين جدران عازلة في غُرَفٍ معزولة! ويندهشون كون المألوف والسائد في مجتمعاتنا
العربيّة يتمثّل في النظر إليهم باعتبارهم غُرباء وأصحاب أطوارٍ غريبة،
ولعلّهم من الزوائد غير المرئيّة
المركونة والمنسيّة في الهامش وخارج المتن المجتمعي!
ربما
يكون تشبيهي للكُتّاب بالأطفال تشبيهاً مغالياً أو متطرفاً. لكنني أرى أنهم من
الكائنات غير المتطلبة، من الشخصيات المكتفيّة بأفراحٍ ومَسرّات صغيرة ذات صلة
بعالم الكتاب والكتابة والثقافة، ولا يعدو طموحهم مرتبة الاعتراف بعملهم على أنه
قصة نجاح وإضافة نوعيّة جديرة بالتقدير– بصرف النظر عن ماهيّة هذا التقدير. كما
يجدر التنويه إلى أنَّ تقديراً واحتقاءً بهذا المستوى يعنيان لي، على الصعيد
الشخصي، تحفيزاً لمواصلة ما بدأته قبل حوالي ثلاثين سنة، وتحدياً متجدداً للارتقاء
بعملي القادم بحسب ما أطمح وأصبو.
هل استطعتَ التخلص من ثقل الذاكرة بعد كتابة "أرض اليمبوس"؟ وكيف
استطعتَ أن تدمج، أو توفق، بين الخاص والعام في السرد؟
كنتُ
أعتقد بأنني، إثر انتهائي من كتابة "أرض اليمبوس"، سأكون قد نحيّتُ
جانباً الجزء المتبقي الأكبر من مخزون الذاكرة وأثقالها. غير أنني اكتشفتُ، رغم
الصفحات الكثيرة، أنَّ المسألة ليست بهذا اليُسْر أو تلك البساطة؛ فثمّة تداعيات
تتبع الكتابة تستدعي، بدورها، نُتَفَاً أخرى كانت مخبوءة أو مطموسة جاءت الكتابة
لتحييها من جديد ولتطالبني بمستحقاتها. إنها مستحقات ذات خصوصيّة شخصيّة تنفردُ بي
وأنفردُ بها، ولا تشكّلُ بالضرورة مادةً جديدةً للكتابة؛ اللهم إلاّ إذا ساقتها
النصوصُ القادمة من تلقائها واحتاجتها داخل متنها في سبيل اكتمال أوجهها.
نعم،
لقد استطعت التخلّص من بعض أثقال الذاكرة – مع الأخذ بالاعتبار أنَّ الإنسان، وبعد
أكثر من خمسة عقود عاشها وعاينَ خلالها هذا الكم الكبير من الشخصيات والأحداث
الكبيرة والصغيرة، إضافةً إلى التغيّرات التي أصابت تقييمه لمجريات حياته، إنما
يحتاجُ إلى مجموعة روايات!
أما
عن مسألة دمجي أو توفيقي بين الخاص والعام؛ فربما يكمن السبب في أنَّ حياتي
الشخصيّة – الداخليّة والظاهر منها للخارج -، ضمن خطوطها العريضة ومحطاتها
الرئيسة، كانت إما استجابة للوقائع العامة الكبرى أتحركُ على إيقاعها متفاعلاً
معها ومحاولاً التدخل (بحجم شخصي الصغير طبعاً) ليكون لي دوري المأمول فيها. أو هي
مجموعة الأسئلة التي طَرَحَتْها تلك الأحداث العامة على الجميع، والتي بقدر ما
تبدأ بالحيوات الكُليّة للمجتمع فإنها، في الوقت نفسه، تنتهي في عقل الإنسان الفرد
لتقلب له يقينياته وتجعلها عُرْضَةً لعصف المساءلات. نحن، كأفراد، لسنا سوى
التفاصيل البانية لمجموع المشهد البانورامي. ألسنا كذلك؟
من مضامين رواياتك يتضح لنا أن الرواية بإمكانها أن تعالج الأحداث
السياسية، من خلال الشخصيات وإعادة بناء الأحداث. فما رأيك؟
بإمكان
الرواية معالجة الأحداث السياسيّة من خلال الآليات المتحكمة في كل ما سبق وأن
أشرتُ إليه في معرض إجابتي عن سؤالك الأخير؛ وأعني علاقة الشخصي بالعام ضمن
المفهوم القائل أنَّ المدار الخاص/ الشخصي ليس مفصولاً عن المدار العام/ المجتمعي.
تعالج الرواية الأحداث السياسيّة من زاوية كاتبها، مما يقود إلى إعادة تركيبها
وفقاً لرؤيته لها وعمق معايشته لتفاصيلها ومدى تأثيرها فيه، سلباً وإيجاباً. وبذلك
تأخذ تلك الأحداث ألواناً جديدة في ظواهرها المرئيّة لم تكن معروضة على الملأ،
وتتضمن مقولات مختلفة في بواطنها المقروءة بحسب طبيعة الأسئلة وأهميتها النسبيّة، لكنها
تبقى كما هي من حيث أنها أحداث وقعت فعلاً جارّة معها كوارثها ونكباتها، أو نتائج
خيراتها ومكتسباتها. لا تستطيع الرواية الاقتداء بتأريخ معظم المؤرخين الذين عملوا
على اللعب بنتائج الأحداث السياسية الكبرى، وقلبوا الهزيمة إلى نصر مؤزر، مثلاً!
أو حذفوا مرحلةً كاملةً من التاريخ ليوجدوا فراغاً في الماضي! الروايةُ، بهذا
الخصوص، هي فِعْلُ التعبئة لذلك الفراغ، وتصويبٌ لانحرافات المُعْلَن أو المسكوت
عنه. فالسكوتُ وجهٌ من وجوه القَول أيضاً، وإنْ بدا عكس ذلك!
باختصار:
الرواية تعيد بناء الأحداث السياسيّة عبر عيش الشخصيات لها، الواقعيّة والمتخيلة،
ووفقاً لتجربة كاتبها، لكنها لا تستطيع أن تقوم بتوجيهها على الإطلاق،أو حَرْف
مسارها!
ثمّة جماليات على صعيد السرد والحوار تتعلق باللغة الفصحى واللهجة
العاميّة، فكيف تنظر إلى التمايز بينهما؟
لغة
السرد هي الفصحى بامتياز وبلا أي شك أو تردد. تلك واحدة من البديهيات التي جُبِلتُ
عليها، وما كانت أعمالي القصصيّة والروائيّة إلاّ اشتغالاً وحَفْراً متواضعين في
اللغة العربيّة الفصحى لأكتشف الإمكانيات الكبيرة التي تختزنها هذه اللغة وإضمارها
لحيويّة التجدد، والتحوّل، والتطوّر- مع ملاحظة أنَّه كلّما تحرك النصّ داخل
فضاءات اللغة، واقعاً، وبحسب رؤيا صاحبه، على جمالياتها؛ كان للنصِّ نفسه أن
يكتسبَ تلك الجماليات بالتالي. وأن تسعى للّغة، كقاصٍّ وروائي، لا يعني أنكَ تشتغل
عالِماً أو فقيهاً لغويّاً، أو باحثاً في اللسانيات مثلاً! أبداً. بالنسبة لي،
اللغةُ كائنٌ محسوس حين أخوضُ فيه كاتباً نابذاً لمألوف المفردات في سياقات
جُمَلها وتركيباتها وتنضيداتها السائدة إنما أجعلُه (اللغة) يخلعُ لبوساته الباهتة
من كثرة الاستعمال، ليرتدي أُخرى، هو يمتلكها في مستوياته العميقة، وكانت بحاجة
لمن يخرجها للتهويّة! اللغةُ، كما هي تجربتي معها، حالةُ إحساسٍ وإدراك وتناغم
أعيشها وتتلبسني فأنساق إليها. أما مسألة القواعد؛ فتأتي في ما بعد، ولا أخجلُ أو
أترددُ في عَرْض ما أكتبه، حين الانتهاء منه، على مَن يفقه تلك القواعد ليقوم
بتصويب ما ارتكبتُ من أخطاء.. وهي قليلة على أي حال، وتتعلق بما لا يمسّ بنائي
الخاص لها.
أما
مسألة اللهجة العاميّة؛ فإنَّ السرد والحوار، في القصة والرواية، يمتلكان رحابةَ
وجودها متضافرةً ومشتبكةً وملتحمةً مع الفصحى، تماماً مثلما هي علاقة الجلد
باللحم، شريطة الاقتصار على ما يُسْعِفُ النصَّ ويثريه بما لا تحوزه الفصحى. أو
الركون إلى مفردةٍ معيّنة عاميّة لها نكهتها الخاصة ومدلولها الاجتماعي المعيش،
المعاصر، تأتي بمحمولها المفهوم لدى القارئ عارضةً الواقعَ كما هو، وبـ (لغته
العاميّة)، أي بمنطوقه السائر والخارق للطبقات الاجتماعيّة (إذ هو منطوق جيلٍ
جديد يعيشُ بيننا وسيكون نحنُ في المستقبل) والذي جاء نتيجة تحوّلات كثيرة اعترت
المفردة الفصحى فغيّرت من معناها المقروء في الكتب، وأحَلَّت محلها معنىً متداولاً
على الشفاه في تفاصيل الحياة اليوميّة. العاميّة، بحسب ملاحظتي، وربما لأنها بلا
رقباء أو سَدَنَة وحُرّاس، حازت وتحوز مساحات من الحريّة تتقلّب فيها وتُنجبُ
عليها مجموعة تعبيرات مدهشة في دِقّة إصابتها للُّبِ من المعنى، أو الدِقّة في
جَمْع الصورة بمعناها على نحوٍ يكاد يكون ممسوكاً وماسكاً في آن! وهذا، في حد
ذاته، وجهٌ من وجوه جمالياتها.
بدأتَ مع القصة القصيرة، ثم الرواية، وأخيراً قدّمتَ رواية "سير–
ذاتيّة"؛ فأين يجد فركوح نفسه وسط هذا التعدد الذي يمتد إلى الصحافة والترجمة
والشهادة والنشر؟
إنَّ
جُملة تلك الضروب من الكتابة ليست سوى محاولاتي من أجل استكمال صورتي الكائنة في
داخلي، والتي أنظرُ إليها باعتبارها إمكانيات متفاوتة في نسبة وكثافة منسوبها
تحثّني على أن أحققها، لأتحققَ أنا على هذا النحو تارةً، أو على غيره تارةً ثانية.
إني من المؤمنين بأنَّ الإنسان يمتلكُ في أعماقه، وبعد عقود من التجربة الحياتيّة
والثقافيّة، عدة مستويات أو طبقات، هي خُلاصته. أي: الإنسانُ ليس سطحاً واحداً،
ليس كائناً مسطحاً، ليس هو "الإنسان ببُعدٍ واحد" – بحسب تعبير هربرت
ماركوز. ولأنَّ الأمر هكذا؛ فإني أزعمُ وجودي في جميع تلك المجالات الكتابيّة/
الأدبيّة/ الثقافيّة. لكنه، وينبغي عليَّ التنبُّه والتنبيه، وجودٌ ناقص وسيبقى
ناقصاً حتّى النهاية. ثمّة اللازمة المتكررة في رواية "أرض اليمبوس"،
والتي باتت بمثابة الأيقونة كمفهومٍ أرى وجوباً أخلاقيّاًً وفكريّاً اعتبارها
حِكمةً تستوقف الكثيرين مِنّا، ألاْ وهي: "لا شيء يكتمل". أنا
أحاول أن أكتمل عبر توزعي على جميع الأنشطة المذكورة، مع يقيني بأني أسعى وراء
سراب! لكنه القَدَرُ.. بمعنى من المعاني.
أكتبُ
القصة والرواية لأطرح أسئلتي، وأمتحن رؤيتي، وأتعايش مع شخوص الحياة عبر تعالقنا
جميعاً وانضفارنا بحبال الخيال الذي يُشهدُنا على أحوالنا من مسافة. وأقومُ
بالترجمة لأنَّ نصوصاً قرأتها فأعجبتني، ولكّل واحد منها خصوصيته، الجماليّة أو
المعرفيّة، فأحببتُ نقلها لآخرين مجهولين مفتَرَضين يشاركونني محبّة الجَمال وتوق
التعرُّف. وكتبتُ مجموعة شهادات لأفضي برؤيتي لِمْا أكتب وأشهدُ عليَّ من الداخل،
وكذلك لأقول رأيي المتواضع بما أقرأ لغيري وماذا رأيتُ في ذلك كلّه. وأعملُ بالنشر
لأني، ومنذ البداية، عرفتُ بأني لستُ مؤهلاً على مستوى النجاح التجاري أو
الاقتصادي، ولا أطيق وضعيّة الموظف.
هذا
أنا. في جميع هذه البؤر. وأدركُ بأني ما زلتُ الناقص الباحث عن اكتمالٍ ما من غير
أطماعٍ أو أوهام، كبيرة أو صغيرة.
هل يتماهى الكاتب مع نفسه لينتجَ نصّاً، أم ينتج هذا النصّ بتقمص غيره؟ أين
يكمن فركوح؛ أفي تماهي الذات أم تقمص الآخر، ولماذا؟
المعادلة
بطرفيها هي جوهر الكتابة كما أفهمها، وكما أمارسها، وكما أقوم بقراءتها لدي غيري
من الكُتّاب. فإنْ آمَنّا بأنَّ مَن هُم خارجنا ليسوا سوى مرايانا، نعاين أنفسنا
في عيونهم لنعي أجزاءً مِنّا محجوبة عن إبصارنا المباشر.
وإذا
أدركنا بأننا نمثّل للآخرين تلك المرايا معكوسةً، مثلما أننا جميعاً (الذوات
وآخَرها) لسنا في حقيقة انفصال رغم حالات من العزلة والاغتراب نعيشها بدرجات
متفاوتة؛ عندها يصير لي أن أقول بأني في اللحظة التي أحفرُ فيَّ لأجدَ بعض حقائقي
عني إنما أعاين غيري أيضاً لأنه، وأنا، لسنا سوى الواحد الاجتماعي بوجوهٍ متعددة.
وبذلك، أتماهى مع نفسي وأتماهى مع غيري في الوقت نفسه. أولستُ أخزنُ في أعماقي
أصداءَ الآخرين، وجوهاً وأسماءً وأصواتاً ومواقف ووجهات نظر؟
ثمّة تجارب سرديّة سعوديّة يُشار إليها في كتابة القصة القصيرة، فما رأيك
بتجربة كل من زياد السالم وعبدالرحمن الدرعان؟
لستُ
مطلعاً، للأسف الحقيقي، على تجربة عبدالرحمن الدرعان. غير أنَّ مجموعة زياد عبد
الكريم السالم، "وجوه تمحوها العزلة"، تملكُ نكهةً للمكان وخصوصيّة في
الشخصيات لافتتين. كما يراعي جانب اللغة ويشتغل على ذلك انطلاقاً من رؤيا هي
شِعريّة في المقام الأوّل. أنا بحاجة لقراءة المزيد من قصصه ليتوفر لي حق الكلام
بما هو أكثر.
بعد هذه السنين من العمل الدؤوب والإنتاج المستمر، ما هو جديد فركوح؟ وهل
أنتَ راضٍ عمّا أنجزتَ؟
أناوشُ
بدايات رواية جديدة. أستفزها لتنهض وتتحرش بي، فنشتبكُ في عِراك المناكفات
والمماحكات، فأكتب. أما الرضا؛ فحالةٌ نسبيّة ليست ثابتة وليست دائمة. في كثير من
الأحيان أجدُ أنني لم أنجز رُبْع ما أريد. وفي لحظات لا أعرفُ تحديداً ماذا أريد!







0 التعليقات:
إرسال تعليق